تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأفضل طريقة لتربية الأجيال هي تدريسها تاريخ أمجادها من خلال سير مصلحيها وقادتها وأبطالها, فنحن نتأسى برسول الله صلى الله عليه وسلم ونقتبس من النور الذي جاء به, ونسير على هدي أصحابه ونقتفي أثرهم؛ أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده «.

وكلما كانت الأمثلة شاخصة حية, وأحداثها ساخنة جديدة فإن وقعها في القلوب يكون أعمق, وأثرها في النفوس وتوجيهها أشد وأقوم, وذلك لأن الشواهد الحاضرة دوافع ومحركات للقلوب أن تشابه وتباري لأن نداء الأعماق من القلوب ينادي بقوة هذا شاب مثلكم يعيش كما تعيشون ولفته البيئة التي لفتكم وضمه الجو الذي يظللكم, فما باله قد سبقكم? أو ليس بإمكانكم أن تسلكوا كما سلك وتسيروا كما سار?

الخيار الصعب: وكثيرا ما نواجه ونحن نفتح وصايا كثير من الشهداء بمشكلة أنهم يحرجون علينا أن لا نكتب عنهم كلمة فقد كتب سعد الرشود: لا أسمح لمجلة الجهاد ولا للبنيان المرصوص أن تكتب عني كلمة.

وأبو دجانة (عادل فارس) أوصى بأن لا يكتب عنه شيء.

وأبو مسلم الصنعاني أوصى بأن من كتب عنه شيئا فهو حجيجه يوم القيامة.

وساءلت نفسي كثيرا: وهل يحق لهم أن يمنعوا الناس أن يتكلموا عنهم بخير, إن هؤلاء أصبحوا جزءا هاما وشريطا حي ا من تاريخ هذه الأمة, فليس لأحد أن يقص شريط التاريخ المشرف بحجة أن صورته وردت فيه أو ذكره مر خلاله, إن دماء هؤلاء الشهداء قد روت شجرة هذا الدين وسطرت بأحرف من نور تاريخ هذه الأمة, فكم ستحرم الأجيال لو أخفي تاريخ النماذج المشرقة والقمم السامقة من أبناء هذه الأمة ابتداء بأبي بكر والخلفاء الأربعة والصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين والأبطال الأفذاذ أمثال سعد ومصعب وحمزة والقعقاع وعاصم والمقداد والنعمان وعكرمة وخالد وأبي عبيدة.

وكم ستخسر الأمة من رصيدها الثر الذي يكون المعين العذب الذي تنهل منه الأجيال عبر العصور.

لم تعد سير هؤلاء الصادقين ملكا خاصا يورث من قبل ورثته, أو مالا يوصي به إلى جهة خيرية ويصرفه كما يشاء, لقد خرجت سيرهم وقصصهم من ملكهم الخاص إلى رصيد أمة تحيا بذكرى أفذاذها, وتعيش أجيال مقتفية الجادة القويمة التي قضى عليها أسلافها وأئمتها.

لقد أوصى كل واحد بأن لا يكتب عنه بعدا عن الرياء, واختفاء عن مواطن الضوء إلى الظل, وذلك حرصا منهم على تمحيص النية وتقرير الإخلاص فمضوا بإخلاصهم وصدقهم وثوابهم.

وكم يحز في نفسي أني لم أكتب عن سعد الرشود ذاك الذي كنت إذا جلست إليه أشعر أنني أمام قمة شاهقة وعملاق ضخم مع أنه في ثقافته لا يتعدى الثانوية العامة.

والآن واجهنا أبو مسلم الصنعاني بوصيته التي تعني تمزيق صفحة وضاءة من تاريخ الأمة الإسلامية الحديث وقطع جزء من الشريط الحي الذي يحفه البهاء وينيره السناء وتكون له المهابة اطارا جميلا فريدا.

إن الكلام عن الشهداء فرض من رب العالمين لأنه جزء من التحريض على القتال الذي افترضه الله على كل مسلم؛ فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين «.

ولو علم الشهيد كم سيسوق الله له من الخير ويصله إلى قبره من الثواب بذكر قصته لأمسك عن الوصية.

فكم من القلوب الميتة أحيتها قصص الشهداء, وكم من الشباب قد وفدوا إلى الجهاد بقراءة قصة شهيد, وكم من تائه رد إلى الله وكم من فاسق آب إلى ربه بها:

ففي القتلى لأجيال حياة ... وللأسرى فدى لهم وعتق

إن هؤلاء الإخوة ينسون أنه (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة).

كم نفع الله بوصية الشهيد عبد الوهاب بن صالح الردة الغامدي?

فعندما سمعت بوصية أبي مسلم (عبد الله النهمي) قلت سأكتب عنه وعندما نلتقي بين يدي الله سأقول لله (يا رب إن عبدك هذا عبد الله النهمي يريد أن يحرم الناس الخير بعدم الكتابة عنه, ويريد أن يمنع الأمر بالمعروف والتحريض على القتال بمنعه لنا أن نكتب عنه) ولذا فإني سأبدأ به:

أبو مسلم الصنعاني (عبد الله النهمي):

أي مسجد في صنعاء لم يسمع عن أفغانستان من فمك? وأي امرأة من الصالحات لم تنزع حليها تبرعا بعد سماعها عن الجهاد موعظتك? أي شاب من اليمن لم يعرفك ممن عادوا إلى الله مع تيار الصحوة الخاشعة? أي عالم من العلماء في بلدك لم يشعر بالخجل ولم يطرق حياء إذا قابل صورتك أو واجه طلعتك فيا عبد وإن أوصيت: (من كتب عني كلمة فأنا حجيجه يوم القيامة).

عشاق الحور · الصفحة ١١٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

عشاق الحورص ١١٢