الداعية المهاجر
من زهرة الدنيا هرب, ومن فتنة الأرض -أمريكا- أقبل, وفي نضارة الشباب اهتصر, ومع نداوة الغصن اعتصر.
رأيته في المؤتمر في أمريكا في ديسمبر (8891م) , وأخذ يتابعني من مكان إلى مكان, وبحجة الصحافة سمح له أن يبقى قريبا مني في الفندق يتردد فلى غرفتي, هكذا سبحان الله تعلق بي أيما تعلق, لا يود مفارقتي وعندما شارف المؤتمر على الإنتهاء بدأ يغريني بزيارة المدينة التي يقيم فيها وجاءني بمجموعة من شباب (ارلنجتون) وقالوا: عندنا أبو طارق الطي ار, ومدينتنا نشطة للجهاد كأنها خلية نحل وحق عليك أن تزورها وهي قريبة إلى (اوكلاهوما) وبالإمكان أن نسافر إليها بالسيارة, وقررت أن أسافر معهم في سيارتهم, وفي سيارة الأخ مصطفى رجب ركبت وسافرت معهم, وكانت ساعات حارة اللقاء بعد غياب طويل عن أبي طارق الذي شارك معنا وضع حجر الأساس لمكتب الخدمات, والذي كان له فضل السبق في هذه المسيرة الخي رة التي قطعها هذا المكتب.
وقرر أبو الطيب أن يطلق أمريكا ثلاثا لا رجعة فيها, وعدت إلى بيشاور, وبعد مدة وإذا بأبي الطيب يصل بيشاور, وأخذته إلى صدى, وكانت دورة الدعاة لا زالت فكرة في الأذهان, ونصحته أن يدخلها, وكان أول الداخلين فيها, إنه يريد خدمة هذا الدين, وقد آتاه الله اطلاعا على الثقافة الإسلامية, وكنت تلمح على إشراقة محياه, إشراقة الروح التي تسري في أوصاله, وصفاء النفس الذي ينعكس على جبينه, وما أجمل إشراقات إقبال في العزيمة المتوثبة.
إذا ما استيقظت روح الصقور ... وهبت في الجوانح والصدور
رأى الشبان في الأفلاك مثوى ... عزائمهم ... وفي الأفق المنير
وأنت الصقر فابن الوكر واسكن ... على قمم الشواهق والصخور
في رمضان: وفي رمضان يعود الدكتور حمزة من كابل وينبئ عن حاجته إلى ممرضين مجاهدين بحيث يقوم على تدريبهم ليكونوا معه فرق انقاذ واخلاء من خط النار, وتكلمت في المسجد عن الحاجة الماسة فتفاعلت نفسية أبي الطيب واستطاع د. حمزة أن يقنعه ويرسله أمامه إلى كابل.
وفي عيد الفطر يعود أبو الحسن المدني من كابل ويخبرني عن قدوم بعض الإخوة العرب ثم نو ه أنه لمح من بينهم شابا عليه ملامح الاخلاص وتبدو صفات القيادة على مخايله وأنه رشحه ليكون أمير مجموعة دون أن يكون له به سابق معرفة.
إلى شكردره: وعند أبي علي المالكي في (كريزمير) حط رحاله, وألقى عصا تسياره, وهناك اشتعلت المعركة واستحر القتل بالمجاهدين واشتد قصف الطائرات التي تجلجل بدويها في المنطقة ليلا ونهارا وعلى مقربة من كابل حيث بدأ المجاهدون يدمرون الحزام الأمني الثاني لكابل وابتعد المجاهدون عن التبة التي استقر بها أبوعلي ولم يبق فيها سواه وخمسة من إخوانه العرب بحيث لو غادروا سقطت كريزمير بيد أعداء الله, فآلوا على أنفسهم ألا يغادروا المكان إلا جثثا ممزقة, وهنا طاب لأبي الطيب المقام ووجد روحه في لهيب الغرام ورأى على حد الأسنة طيب الجمام (الراحة).
يريك مخبره أضعاف منظره ... بين الرجال وفيها الماء والآل
وقد يلقبه المجنون حاسده إذا ... اختلطن وبعض العقل ع قال
(الال: السراب أي هنالك رجال حقا كالماء في منظرهم ومخبرهم ومنهم أشباه رجال كالسراب الذي يبدو كالماء, ع قال: داء يصيب رجل الدابة يعيقها عن الحركة, اختلطن: اشتبكت السيوف).
الخبر الصاعق على نفس محمد المشتاق: وبعد صلاة العشاء مساء (92/ 6/9891م) جاءني صاحبه ورفيق عمره محمد المشتاق المغربي وساءلني باستغراب أوقد مضى أبو الطيب? فشدهت قائلا من أنبأك هذا, فقال لي: أخ جزائري قادم من بيشاور سمع تقي الدين الجزائري العائد من شكردرا (كريزمير) يحدث بهذا, فقلت له: سل أبا