تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

من قبضة طاغية, ولا طفقوا في الأرض ينتجعون الرزق والكلأ وما هجروا بلادهم طمعا في إكمال دراستهم الجامعية, ولا بحثا عن وظيفة في شركة أو متجر أو مصرف, ليس شئ من هذا كله.

إنهم خرجوا ابتغاء مرضاة ربهم -كما نحسب ولانزكي على الله أحدا - يؤدون فريضة القتال ويسعون للصعود رقيا لكسب أعظم الآمال وهو دخول الجنة برضا الكبير المتعال كم من هؤلاء الشباب كان وحيد أبويه, وترك أمه طريحة الفراش بجلطة أو غيرها لمجرد سماعها أن ابنها قد نفر إلى الجهاد في سبيل الله, كم من الأمهات قد غبن عن وعيهن لمجرد سماعها أن ابنها في أفغانستان, لقد بلغني أن والدة ياسين عبد شكور الحمايدة لا زالت في صدمتها منذ أن بلغها شهادة ابنها ولا زالت لا تستطيع أن تعرف من يقف أمامها, وبلغني عن الشهيد سراقة أن أبويه قد سقطا مشلولين لمجرد تلقي نبأ الشهادة.

ولا يعلم إلا الله كم يعاني هؤلاء الشباب من آلام بسبب مواقف أبائهم ومشايخهم وكم يتخطون من حواجز أمنية وجغرافية, وكم يلاقون من عنت وهم ينتقلون من قطر إلى قطر طمعا في نيل تأشيرة باكستان للوصول إلى أرض الجهاد, ولك أن تسطر من قصصهم أسفارا نفيسة وملاحم غريبة, وفي مستشفى الهلال الأحمر الكويتي أحد إخواننا الجزائريين الذين كانوا يعملون في فرنسا فاجلس إليه ليحدثك عن الغرائب التي واجهها حتى وصل إلى أرض باكستان, فمن فرنسا إلى تركيا إلى سوريا ومكث في سوريا ستة أشهر بين المخابرات والسجون والمساجد والسفارات, لا يجد مأوى ولا طعام ولا تأشيرة وأخيرا إلى إيران ثم السير من إيران إلى باكستان على الأقدام ويزج به في السجن في باكستان قليلا ثم يخرج إلى أن وصل إلى أرض المعركة وأصيب بكسر في قدمه.

وعندما يقبل الشاب من بلاد العرب يرثي لحاله بعض المشفقين المتعقلين. ويسر لخروجه ذوو النظرة العميقة البعيدة, ويفجع بفراقه أرحامه وبعض معارفه, ويحزن بعض الدعاة لمغادرته مكانه شاغرا وقد كانوا يعقدون الآمال على وجوده في بلدته هناك.

ولكن خروجه كان خيرا للجميع: أما من ناحية أهله وأرحامه فكم رد خروجه من المصائب عن البيت, وكم من العذاب رده عن ذويه ومنطقته بنفيره في سبيل الله, وكم من الدعاة الجدد قد اجتذبهم إلى دعوته دون أن يعلم شيوخه وأساتذته.

إن قصة هذا الشهيد قد انتهت في نظر أهله وأصحابه على مشارف جلال آباد برصاصة أودت بحياته ثم دفن تحت صخرة من صخورها أو في مغارة في جبل من جبالها, وهنا اسدل الستار على آخر فصول المسرحية ولكنهم لا يعلمون.

لا يعلمون كم من الخير صبه الله على أهله بشهادته وكم من الرزق والعافية سيق إليهم بسببه لا يعلمون كم خبأ الله له في عالم الغيب من أفراد تهتز بقصته وترجع إلى الله بمعرفة سيرته وتحيا قلوبهم بذكره وترتبط بالله من خلال نفرته.

لا يعلمون أنه مع أمثاله يحيون فريضة غابت عن واقع المسلمين منذ عهد بعيد, ويروون بدمائهم شجرة هذا الدين حتى لا تجف عروقها أو تذوي أغصانها.

لا يعلمون أن التمكين للمؤمنين في الأرض إنما يكون بجهود أمثال هؤلاء المخلصين هدية من رب العالمين وتفضلا من خالق الناس أجمعين.

لا يعلمون أن شيخ الإسلام ابن تيمية قد قضى نحبه في أعماق سجن القلعة سنة (827 هـ) وبعد ستة قرون ونيف يخرج الله البترول في منطقة تأثر به علماؤها فيعيدون طباعة كتبه وتوزيعها على العالم حتى لا تكاد مكتبة إسلامية في الأرض تخلو من كتبه وأصبح ابن تيمية الشيخ المقتفى والمثل الرائع الذي يحتذى على نفس الطريق الذي سار عليه سيد المرسلين ص ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.

إنهم لا يعلمون أن سيد قطب قد مضى إلى الله بإعدامه في غرفة مظلمة في سجن الإستئناف في القاهرة ولا يعلم أهله حتى الآن مكان قبره, وقد ظن الدعاة أن استشهاده خسارة كبيرة للدعوة الإسلامية وإذا باستشهاده دفعة قوية لموكب الدعاة, ولم يكن تفسير في ظلال القرآن قد طبع في حياته سوى طبعة واحدة وفي عام استشهاده طبع سبع طبعات حتى أصبح أصحاب المطابع النصرانية إذا أشرفت على الإفلاس نصحه بعض صحبه أن يطبع كتب سيد لينقذها من الإفلاس.

إنهم لا يعلمون ولو نطقت أرواح الشهداء لقالت: (ألا ليت قومي يعلمون).

الشهيد عوض بن علي (ابن مبخوت العرادة):

شيخ من شيوخ عبيدة مأرب.

عشاق الحور · الصفحة ١٢٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

عشاق الحورص ١٢٨