اللقاء أول مرة: وأول مرة التقيت به على صفحات رسالة أرسلها إلى بعض أحبائه في بيشاور فأدركت من خلالها طموحاته وآماله, كان يفكر في ضرب موسكو, ويحذر من خطط الروس وألاعيبهم, ولمست عمقه وكان يحدثني بأشياء قريبة من الخيال وكأنه يردد:
إذا غامرت في شرف مروم ... فلا تقنع بما دون النجوم
فطعم الموت في أمر حقير ... كطعم الموت في أمر عظيم
يرى الجبناء أن الجبن حزم ... وتلك خديعة الطبع اللئيم
تطليقه الدنيا: مضى على ضرار أربعة عشر عاما في الجيش الأردني ثم ترامى إلى مسامعه أخبار الجهاد الأفغاني وتيقن أن هذا هو الطريق, وكان قد وصل إلى رتبة (رائد) في الجيش ولم يبق سوى عام واحد حتى ينال تقاعده, وحاول أن يصبر نفسه ولكن أنى تطيق البقاء? فقلت له عند قدومه إلى الجهاد هلا انتظرت سنة فتنال التقاعد? فقال ضرار (العام طويل) , نعم العام طويل على جسد يحيا بلا روح فروحه قد سبقته ترفرف فوق جبال الهندوكوش.
طلق الدنيا وخاف الفتنة: أقبل ضرار وحيدا بعد أن حاول إحضار زوجته ولكنها أبت عليه وتركها ودنياها وجاء بكليته إلى الجهاد, عمل في التدريب, وفي الكلية العسكرية -عند الشيخ سي اف- وقد كان ممتلئا إعجابا وحبا وإجلالا للشيخ فكان يقول: قال أمير المؤمنين -سي اف- عمل في مجلة البنيان, وفي مرآة الجهاد (ماج) , وعلق على فيلم (لا عزة إلا بالجهاد) , اشترك في بعض المعارك مستشارا للشيخ سي اف, كان يعد بحوثا نظرية للجهاد والشؤون العسكرية لتطبيقها في أرض الفخار وقمم المجد.
لقد كان باختصار ممتلئا بالقضية معتزا بهذا الدين, يؤلف الأهازيج والأشعار عن صلاح الدين والقادسية وحطين ويحدو بها أثناء التدريب ويلقنها الشباب: يناطح السحاب بعزته, ويطاول السماء بشموخه وأنفته.
كنت أقول له: حبذا لو قللت من تحليقك في سماء آمالك حتى تكون أقرب إلى الحقيقة من أحلامك, وكأن لسان الحال أبلغ من لسان المقال يردد:
سبحان خالق نفسي كيف لذتها ... فيما النفوس تراه غاية الألم
رجوع ضرار إلى الأردن: وعاد ضرار وظننته سئم الطريق ومل المواصلة وإذا به يخطط لأمر آخر فقلب الأسد الذي يطوي عليه الجوانح لا يمكنه الإستقرار في حياة هادئة رخية ممتعة, فمحال أن يتحول المرجل الذي يغلي فجأة إلى جليد قاس والجو كله ملتهب حوله.
عملية خيالية: جاءتنا الأخبار عن عملية شبه خيالية يقتحم فيها ضرار الحدود نحو فلسطين ليكمن لدورية يهودية وتقوم بينه وبينها معركة يستشهد فيها ويمضي إلى ربه رافع الرأس ناصع الجبين ولم يترك لأحد عذرا وقد أقام الحجة على الناس, مضى وقد فس ر الحديث الشريف في عالم الواقع خير الناس رجل آخذ بعنان فرسه يطير على متنه كلما سمع هيعة أو فزعة طار إليها يبتغي الموت مظانه.
وحيد من الخلان في كل بلدة ... إذا عظم المقصود قل المساعد
فنرجو الله أن يتقبله شهيدا وأن يجمعنا به في الفردوس الأعلى .. آمين.
الشهيد أبو ياسر اليمني (عبده علي فارع البحري):
يا صديقي عن أي شيء كان سؤالك, في رحاب العقل يبحث عن جواب, أتفكر في الشهيد, كيف يترك منصب الدنيا, كيف يمشي في الطريق, ليس سرا يا صديقي تركه الدنيا وأن يمشي على سادتها مشي الزهيد, هكذا فكر الشهيد, نفسه تأبى الخضوع لأي قيد من حديد, من أنا من أنت دون عز, دون حكم الله في هذا الوجود, من أنامن أنت والساحة والحمراء والبيضاء تحكم بالنار والحديد, هل ترى هذه القطرات تفترش الطريق, إنها دم الشهيد, رسمت خطا علي طول الطريق, كتبت اسما عظيما , الجهاد يا شباب المسلمين هو الطريق.
ومضت قافلة فارياب تشق طريقها علها تلحق بركب العزة أو تضيء للدرب ولو بصيصا من نور خلال هذا الجهاد المبارك.
كل منا تداعب خياله لحظات الوصول لفرياب وكلما زادت مشقات ومصاعب الطريق ازددنا صبرا وجلدا فقد مضى علينا خمسة وأربعون يوما لم ننم فيها تحت سقف أو نفترش أريكة فالسماء سقفنا والأرض فراشنا.
ورغم وحشة الطريق إلا أن الأخو ة السائدة بين أعضاء القافلة كانت تضفي عليها أمانا واطمئنانا , ووصلت القافلة بعد شهرين من السفر, استقبلتها فارياب برجالها ونسائها وأطفالها وبعد أن أخذ كل منا قسطا من الراحة تفرقنا في أنحاء الولاية وكان على أبي ياسر الشهيد (عبده علي البحري اليمني) أن يرحل إلى مدينة منسية في حدود روسيا تسمى (انخوي) لم تطأها قدما غريب منذ مئات السنين, وهناك فكر أبو ياسر في إنشاء مركز عسكري لتدريب المجاهدين حسب تخصصه فهو عسكري ومن خريجي الحربية بصنعاء ولكن الظروف لم تهيء له إنشاء ذلك المركز فيمم شطر (ميمنة) مركز الولاية ثم رحل إلى تكاب شرين حيث حط رحاله هناك استعدادا للعملية ضد أعداء الله وفعلا بدأت المعركة واشتدت رحاها وزاد ضرامها وبدأ جند الله يقتحمون مواقع الشيوعيين ومعهم أبو ياسر, يقتحمون الحصن تلو الحصن, غير أن هناك مدفعا كان يشتت المجاهدين ولم يخرس بعد وكان على أبي ياسر أن يسكته, فأخرج قنبلة من جعبته وارتفع قليلا من الخندق والمجاهدون ينظرون اليه متى يلقيها من يده ولكن أبا ياسر انخفض فجأة وسقط على الأرض مضرجا بدمه, فقد مزقت