الشهيد اليماني أبو محمد (خالد علي محمد الشرحبي)
إن الداعية نعمة يمن الله بها على عباده, وهو في مكان قطب الرحى ومحط الأنظار ومهوى الأفئدة, إليه يفزع الناس في الملمات, وإليه يهرعون إذا تكالبت المشكلات, وحاجة الناس إلى الدعاة أشد من حاجتهم إلى الطعام والشراب, وطاعتهم أوجب من طاعة الآباء والأمهات كما يقول الإمام أحمد عن الدعاة والعلماء, لهم يستغفر السمك في البحر وأهل السموات والأرض, فما أكثر خيرهم على الناس وما اكثر شر الناس عليهم!! من السبعة الذين يظلهم الله تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله, شاب نشأ في طاعة الله, ومعلق روحه في المساجد غضيضة عن الباطل أعينهم, كليلة عن الشر أرجلهم, إنضاء عبادة وإطلاح سهر, منحية أصلابهم على أجزاء القرآن, كلما مر أحدهم بآية من ذكر الجنة بكى شوقا إليها, وكلما مر بآية عن ذكر النار زفر زفرة كأن جحيم جهنم بين أذنيه.
بأبي هؤلاء الشباب وأمي حيث يسهرون وقد نام الناس ويصومون إذا أفطر القوم, صامتون تقرأ من قسمات وجه احدهم وبريق عينيه كأن هموم المسلمين كلها ملقاة على عاتقه, لا يتكلم إلا بقدر.
كان أبو محمد كما نحسبه ولا نزكي على الله أحدا من بين هؤلاء الذين يعملون بصمت, يأسرون القلوب بابتساماتهم المعبره, ويدخلون الأفئدة دون سابق استئذان, شخصية قيادية, كان كلما رأى مللا بين الصفوف طفق يحدث عن الصبر في الشدائد وهودأب الصالحين, وإذا أبصر تراجعا بدأ يحدث عن الثبات وعن مواقف الرجال والأبطال.
عمله تربية الشباب ربطهم بالله وشد هم إلى صراطه -بإذن الله- ولد في تعز وكان نابغ المعيا ذكيا , وقد كان متفوقا خاصة في الثانوية العامة فقررت الحكومة إرساله مبعوثا إلى جامعة الملك سعود (الرياض) فدخل كلية العلوم, وبدأ الإقبال من أبناء الجزيرة إلى أرض البراكين والحمم والشهب النارية في خراسان, وكان من بين المقبلين في اجازة الشتاء فتعلقت روحه بالجهاد عاد إلى الجامعة ولكنه أودع قلبه بين جنبات المعسكر واصبح شبحا في الرياض, يأكل ويشرب ويتحرك بين الناس ولكن اعصابه وروحه وقلبه بكليتها -تقريبا - مشدودة إلى, هناك حيث تمتزج البطولة بالدماء وبالحديد, فأصبح غريبا بين أصحابه وكما يقول ابن الرومي:
أعاذك أنس المجد من كل وحشة ... فإنك في هذا الأنام غريب
فهناك مفارقات هائلة بين الموجود والمنشود, بين الواقع الذي تحياه الناس, والمثال الذي يحققه الأبطال في الجبال.
ولم يطق الصبر بين أعمدة الجامعة التي لايسمع فيها سوى أحاديث الطعام وتعدد الزوجات أهو أصل أم لا, أهو واجب على الكفاية ام مندوب والشباب يتهامسون لقد انقصوا الأعطيات الشهرية وقطعوا التذاكر ومنعوا استقدام الزوجات إلى غيرها من الأحاديث المكررة التي أصبحت كأنها مبضع يعمل في جسده, ولابد لهذه الحال من حسم, وترك الجامعة وانطلق إلى المأسدة وأقام في حطين - أحد مواقعها - يعيش مع إخوانه بخلقه الرفيع, وصمته الدائم, وذكره الكثير, وقرآنه أنيس حياته وقلبه فأسر القلوب واستهوى النفوس كان كثير الخدمة لإخوانه, متواضعا.
واختار حطين -كموقع متقدم- حثا للشهادة واستعجالا للقاء ربه.
ونفس الشريف لها غايتان ... ورود المنايا ونيل المنى
وجاءت الساعة التي يرقبها منذ زمن وانطلقت قذيفة الهاون وتفجرت في الجو وأصابته مع أخوين له, وهرع الدكتور أبو البشر صهر الداعية عدنان سعد الدين واحتضنه وبدأ يحاول أن يقدم له الإسعافات الأولية ويجري له التنفس كانت الإصابة في قدميه وفي صدره, وجيء بالسيارة وانطلقت تنهب الأرض, وأخذ يذكر الله ثم دخل في غيبوبة, وكان ذلك في التاسع عشر من رمضان.
قد وصلت قد وصلت: كانت هذه هي الكلمات الأخيرة لسؤال أبي البشير كيف حالك فقال: قد وصلت قد وصلت, وفاحت رائحة زكية في الجو كرائحة الآس والأذخر كما يقول الدكتور أبو البشر قال: فعرفت أن روحه قد فاضت إلى بارئها وجاشت مشاعر أبي البشير بهذا الموقف الخاشع المعبر الذي يصغر الدنيا في عيني صاحبها ففاضت أحاسيسه بكلمات شاعرية على لسانه فقال:
أودعته أرض الجنان مزغردا ... وبقيت ارتشف المرارة في صدا
لما أتاه الموت اعرض قائلا ... إني الشهيد مخلد طول المدى
اذهب فغيرى في المذلة قابع ... من قبل أن تأتيه بات ممددا