ذاك ويطمئن المجاهدين, وتشكل السرايا, وتتحرك السيارات, الأعياء ظاهر على وجه الشيخ, ينام الناس ولا ينام آلام قرحة المعدة برحت به, لا وقت للراحة, ولا ساعة للخلود بالنفس, أعصاب الشباب مشدودة, قلوبهم تكاد تقفز من صدورهم, آذانهم تتشنف وهي تستمع الكلمات, لايكاد أحد هم يلتقط أنفاسة وهو يتابع الأخبار.
تقدم الكوماندوز, تصدى الأخوة الرابضين على جبل الرماة لهم, خرجت مجموعة من الدبابات من -شاوني (القلعة- قذائف المجاهدين تسقط على تجمع الدبابات, هربت بعضها متجهة إلى -ناراي- انتهت قذائف الهاون00 وهكذا دواليك لا يتوقف الجهاز عن البث والتلقي إلا في ساعة متأخزة من الليل, يقول الشيخ سياف: إن الله ذو القوة المتين وإلا فمن نحن? نحن بأربع سيارات نقابل حلف وارسو.
الجرحى: وانطلقت سيارات الإسعاف تنهب الأرض تريد أن تحقن بقية النجيع في أجساد هؤلاء الأخوة أبو خالد الجزائري أصابته شديدة والمسافة بعيدة وفي الطريق يسلم أبو خالد الروح ويصل أبو سهل الصغير مغمى عليه أصابت الرصاصة دماغه ولا زال فاقد وعيه في غرفة الإنعاش (استشهد أبو سهل بعد كتابة المقال رحمه الله).
لم أكن أصدق أن هذا الرجل جاء للجهاد عمره في العقد الخامس, جسده ناحل, لا يظهر عليه آثار العلم أو التربية الأسلامية العميقة, وما وما كنت أصدق أنه يستطيع مواصلة المسيرة على طريق الشوك المفروش بالدماء والأشلاء لأن كثيرا من الهالات قد سقطت على هذا الطريق اللاهب المضني.
إلا أن في الرجل وفاء وحياء ورجولة وإباء كان حليقا أول الأمرثم أطلق لحيته, إن تكلم تكلم معي يغض الطرف أدبا, كان لايطيق الثرثرة ولا اللغو, الجميع راض عنه, لسانه قصير لا يلغ في أعراض الناس, وفمه طاهر من أن يأكل لحوم المسلمين وكان لايعرف بالتعصب لأية جهة ولا ينتسب لحزب من الأحزاب, إنه مسلم عادي فطرته سليمة يحب المسلمين جميعا ولذا عندما خرجت روحه إلى بارئها عبقت رائحة المسك تضوع.
الشهيد أبو الوليد السعودي
لم يتكبد الروس في معركة من المعارك كما تكبدوه في هذه المعركة, فقد هرب ثلاثة من السائقين وانضموا إلى المجاهدين, قال أحدهم: لقد أخذ الروس شاحناتنا الثلاث ورأيت شاحنتي مليئة بجثث القتلى.
كنت أنام في غرفة غير محمية لاتستطيع أن تدفع عمن فيها قذيفة طائرة ولا صاروخ وقد اعتدنا كل يوم إن نستقبل قذائف الطائرات التي تبدأ وجبتها الأولى الساعة السادسة والثلث صباحا , وترجع لوجبتها الثانية الساعة التاسعة إلا أن المجاهدين تصدوا لها بالمضادات التي لا تزيد في أثرها من أن تبعد الطائرة عن الأرض أثناء القصف, وقد أسقط المجاهدون أكثر من طائرة بالصواريخ.
وفتح الجهاز في مساء يوم عيد الفطر فقال أبو عبد الله: نعزيكم بفقدنا أخينا أبي الوليد السعودي, فكان فقيدنا الثامن ابو الوليد السعودي.
شاب على الفطرة, ذو ثقافة بسيطة وعشق للجهاد لا يكاد يوصف, طوف أفغانستان من جنوبها إلى شمالها حيث ألقى عصا الترحال في بلخ (مزار شريف) , ومكث هنالك عدة اشهر ثم عاد وزار أهله في المنطقة الشرقية ولم يطق المقام طويلا بين القاعدين لأنه يصعب على من تذوق حلاوة الجهاد أن يستسيغ العيش بين الخوالف (رضوا بأن يكونوا مع الخوالف) , إن النفوس الأبية ليعز عليها أن ترى أبناء دينها يذبحون وأن يبصروا لحوم العذارى تأكلها جنازير دبابات الروس وهم باردون لا تسمع لهم ركزا.
أتسبى المسلمات بكل ثغر ... وعيش المسلمين إذن يطيب
أما لله والإسلام حق ... يدافع عنه شبان وشيب
وفي يوم الفطر يهجم حوالي خمسة وعشرون منهم فيتصدى لهم ثلاثة فقط أبو الوليد وياسين, وخضر, وأما ياسين فهو منطلق كالسهم لا يعرف للموت رهبة.
يستعذبون مناياهم كأنهم لا ... ييأسون من الدنيا إذا قتلوا
وأما خضر فقد مزق أحدهم بقذيفة (آر, بي, جي 7) وما هي إلا لحظات وإذا بأبي الوليد تختطفه يد المنون وإذا به في العالم الآخر (وما كان لنفس أن تموت إلا بأذن الله كتابا مؤجلا).
وما الموت إلا سارق دق شخصه ... يصول بلا كف ويسعى بلا رجل
كان أبو الوليد متشوقا للشهادة, وبعد أن بلغني نبأ شهادته فتحت رسالتين يكتبهما لأصحابه يقول فيها: (أخي ثامر: ولا ينقصنا سوى رؤياكم بيننا في أرض الجهاد إعلاء كلمة الله000 إن كان عيدكم في السنة مرتين فعيدنا والحمد لله كثير, وهذا عندما ننتصر على أعداء الله يعتبر عيدا وهذا بفضل الله تعالى).