الحسن المدني فهو في غرفة القيادة وأقبلت إلى غرفة القيادة وإذا بمحمد المشتاق قد خنقته العبرات وفي ظلام الليل لا يجد سوى دموعه الحرى يناجي بها روح أخيه أبي الطيب الذي رافقه ثماني سنوات وواكبه المسيرة من المغرب إلى أمريكا إلى صدى فرحمه الله والحقنا به في الصالحين.
وهكذا مضى الطيب أبو الطيب, وقضى الحمام الوادع بعد أن أصبح صقرا بازيا , وغضنفرا (أسدا) هائجا, وبلمحة خاطفة افتقدناه من بيننا بعد أن بلغ بالصليل مالم يدركه غيره بالصياح والعويل والقال والقيل.
كتب عنه حبيبه ورفيق عمره محمد المشتاق ما يلي: (ولد حسن ولفي -أبو الطيب- في مدينة فاس في 3/ 3/4691, كان شابا تربى منذ صغره على حب هذا الدين وخدمته, فكان صواما للاثنين والخميس, قائما بين يدي الله في الثلث الأخير من الليل, لا يفوته الوتر, وكان كتاب الله لا يفارقه في سفر ولا حضر ولا يفوته ورده اليومي من القرآن الكريم مهما كانت الظروف وكان رحمه الله مداوما على أذكار الصباح والمساء, ولا ينام إلا وهو متوضئ مهما قست الظروف, ولا ينام إلا بعد قراءة سورة الملك (المنجية) مهما غلبه النوم والتعب, وكان النوم يأخذه أحيانا فيغفو قبل أن يختمها فيغالب النوم ليكمل السورة, كان شابا شجاعا لا يهاب العدا, وكان الإسلام والدعوة إليه ديدنه لا يكل ولا يمل.
كنا سويا في الثانوية وكان دائما يقوم باعطاء المحاضرات عن الإسلام ويرد على شبهات الملحدين والشيوعيين أساتذة كانوا أم تلاميذ, وبعد أن انتقل إلى المرحلة الجامعية رفض أن يدخل شعبة الدراسات الإسلامية لأنه كان يرى أن معظم الإخوة والأخوات فيها, ودخل شعبة الفلسفة وعلم النفس لأن معظم طلابها إن لم أقل (99%) منهم ملحدون, وقد كان شوكة في حلوقهم, وأدى دورا فعالا في القسم مما جعل بعض الأساتذة يحقدون عليه ويرسبونه في امتحاناته, وكان بالمرصاد للشيوعيين والاشتراكيين فحيثما سمع بمحاضرة لهم تابعهم ووقف في وجوههم. وكان رحمه الله ذا اطلاع واسع على الثقافة الإسلامية والأدبية والثقافة العصرية وكان محبا لكتب سيد ومحمد قطب وخاصة الظلال وكان محبا لكتب فتحي يكن الحركية, وعاشقا لكتب السلف الصالح كأمثال ابن تيمية وابن القيم.
كان رحمه الله عضوا نشيطا في الحركة الإسلامية يندر أن تجده دون خدمته للجماعة من الدعوة إليها أو تربية القلوب قبل العقول, وكانت له مكانة في قلوب الجميع أينما حل وارتحل بحيث كل من رآه أحبه لأول وهلة. وكان على صلة مبكرة بالجهاد الأفغاني وقد حاول القدوم منذ (4891م) , وكان يكتب عن الجهاد الأفغاني في مجلة الإصلاح المغربية, وكتب بحثا مطولا عن أفغانستان الماضي والحاضر).
وقد كتب رسالة مؤثرة معبرة إلى أمه, تنم عن عمق اتصاله بالله -عز وجل- نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحدا , وكذاك عن علو كعبه في البيان وصلته بالثقافة الإسلامية -الكتب الحركية- فنرجو الله أن يتغمده برحمته وأن يجعله شفيعا لنا ولأمه ولأهله يوم القيامة إنه سميع قريب مجيب.
الشهيد أبو عبد الله المأربي (سالم عمر سالم الحداد):
فيناحية من نواحي مأرب/اليمن الشمالي ولد سالم, وفي بيت علم ودين وأدب, كان والده من أعلام الدعوة في منطقته, واختطفته يد المنون مخلفا وراءه خمسة عشر نفرا في أسرة يتلفتون إلى من يقوم بكفالتهم وتدبير لقمة عيشهم, فلم يجدوا سوى سالم, فكان عليه أن يشد مئزره, ويحزم أمره, ويأخذ على عاتقه أمر إخوانه وأسرته.
وبدأ سالم مع أخيه أبي سالم يجهدان في توفير حياة مهما كان الشظف طابعها, والشدة عنوانها وسمتها.
وسمع سالم وأخوه أبو سالم بالجهاد فأقبل أخوه أبوسالم وعرفته في صدى وكتب الله له أن يشترك في معركة رمضان سنة 7041ه- (معركة المأسدة) وقد قتل الله على يديه زعيم الماليشيا في المنطقة -كما ظن المجاهدون من خلال جثتهـ.
وأما سالم فقد أكرمه الله بالجهاد لأول مرة سنة (7891م) ثم عاد إلى اليمن ولكن نفسه بقيت معلقة بهذا البلسم الشافي الذي تذوقه, وقد كان مع إخوانه يتناوبون على الجهاد, إذ أن هذه الأسرة قد حظيت بتقديم أربعة من ليوثها إلى الجهاد.
وفي شعبان سنة (9041هـ) عاد سالم إلى الجهاد حيث طاحونة الحرب الدائرة في جلال آباد تطحن النفوس والأعصاب, وهناك تشتبك الردينية السمر (الرماح) مع بعض الصفاح (السيوف) , وأقبل أبوسالم وزج بنفسه بين فكي الحتوف (الموت) وكأنه يقول:
سأحمل روحي على راحتي ... وألقي بها في مهاوي الردى
فإما حياة تس ر الصديق ... وإما ممات يغيظ العدا