تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تلك الدقائق الأولى التي قابلت فيها هذا الشاب, على باب الرابطة في مكة المكرمة قابلني لأول مرة مع طبيبين, شاب يتفجر حماسا ويتدفق حيوية, فسألته ممن الرجل? فقال: من ذرى الأوراس0

فواصلت السؤال مستغبربا منذ كم تعيش وأنت بهذه الطاقة العجيبة المتدفقة كان الأولى بك أن تكون هناك منذ سنوات بين أسود القمم, فأجاب علي الفور أنا جاهز, وأجبته غدا ترافقني في الطائرة, فرد قائلا مهلا ولعدة دقائق ريثما أحضر حقيبتي ومرت السيارة بنا على الغرفة التي فيها يقيم وحمل متاع الراكب وهذا حصيلة ما جمع من الدنيا وانطلقت بنا السيارة نحو جدة0

وبدأ يرتب حقائبي ويضع أمتعته وملابسه بين أمتعتي فقلت له: لو وضعت أمتعتك في صندوق كرتون منفردة لكان أولى لأني لا أظنك تسافر معي? فأجاب بلهجة الواثق المطمئن, لابل أنا مسافر -إن شاء الله- فقلت له: عوارض كثيرة تعترض طريقك فلا تأشيرة, ولاحجز, ولاتذكرة مع أن الدنيا أيام حج والطائرات مزدحمة, فقال: إن شاء الله سيسهلها جميعا!! ? وبقيت عقبة كؤود وهي انه متأخر في البلد بدون إقامة قانونية لعدة أشهر ثم سهل الله الأمر ورق له قلب الموظف ومضى مرزوق معي ووصلنا مطار إسلام آباد وسهل الله أمره كذلك0

وكان أحد الإخوة من ذوي المكانة في قومه يستقبلنا وعندما رأى مرزوق تفانى هذا الأخ في خدمة هؤلاء الشباب الوافدين على الله قال: (اللهم انقص من عمري وأضفه إلى هذا الأخ حتى يستمر في خدمة المسلمين) 0

وجلس مرزوق شهرا في بيشاور وفقد جوازه منذ الأيام الأولى ولم تحظ هذه القضية من اهتمامه شيئا إن قلبه هناك يطير ليسبقه إلى الجبهة ومر شهر كطرفة عين بالنسبة لنا, كان ملء وقت مرزوق الإعداد للقافلة التي تتجهز لتعبر إلى الشمال0

ولقد فرح عبدالله أنس بمرزوق فرحا كبيرا جدا وكأنما عثر على هدية نزلت عليه من السماء وقلما دخلت مكتب الخدمات إلا ومرزوق مشغول بما يعنيه من أمر القافلة وعبدالله أنس يجمع يود لو أخذ بيشاور كلها معه وأنا أقول له (لملم: إجمع) وهو يقابلني بتلك الإبتسامة التي قلما تفارقه حتى في أحلك ساعاته0

ومضى مرزوق, ووصل تخار, واشترك في فتح فرقة نهرين, وجاءت الرسائل منه وكلها نار تتأجح, وأشواق تضطرم, ينتظر ساعة لقائنا, ووصل مرزوق وقال: (لم آت إلا لرؤيتك) ومكث فترة وكان يود أن يجدد جوازا بدل الضائع ولكن الحنين إلى الجبهة لا يدعه يستقر لحظة, والشوق إلى العودة إلى أرض البطولة والفخار في تخار تملك عليه تفكيره وأحاسيسه ومشاعره, ومضى مرزوق وماكنت أعلم أن تلك الوقفة التي وقفتها معه في مكتب الخدمات هي آخر لحظات الدنيا التي نراه فيها0

وقد كان على قدر مع أجله حيث انقلبت به السيارة ففاضت روحه إلى خالقها في (أعظم ورسك) وفي الحديث الصحيح: من وضع رجله في الركاب فاصلا , فوقصته دابته فمات, أو لدغته هامة فمات أو مات بأي حتف فهو شهيد 0

وقد وقصته دابته (أي رمته فاندقت عنقه) فمات فنرجو الله أن يكون شهيدا لقد كان كمية من المتفجرات متجمعة على شكل إنسان تنتظر اشعال الفتيل حتى تبدأ انفجاراتها, لقد كان من الدعاة, المطلعين على ما كتبه المفكرون المسلمون في هذا العصر0

وكان من بين الطلبة البارزين في العمل الإسلامي في جامعة الجزائر0

سلام على تلك الدماء التي مضت ... تراق لكي تلقاك قانية حمرا

سلام على ذاك الشباب الذي انطوى ... فآثر دون المجد أن يسكن القبرا

فحيوا الألى باعوا العقيدة أنفسا ... وفوق قبور الخالدين ضعوا الزهرا

وهناك في (أعظم ورسك) أهيل التراب على جثمان مرزوق وطوي البيرق ونكس انفضت عنه السامر الحزين0

الشهيد أبو الحارث اليماني:

صامت لا يتكلم إلا بقدر, مؤدب, يغضي حياء ولا يكاد يرفع طرفه لينظر إلى من يكلمه, على جبينه إشراقة زادها الحياء جمالا ومهابة0 قارىء لكتاب الله ذو صوت ندي شجي, وقفت معه ومع عبد الحميد أوصيهم وأنا أودعهم وهم يزمعون المسير إلى بروان, وقام بدورملموس في بث نور القرآن بين أسد الرحمن في بروان0

قال إخوانه: (لم نر منه إلا الخلق الإسلامي الرفيع وقلما تلحظ عليه سقطة أو زلة) 0

عليه سكينة أهل اليمن وحكمتهم وزاده الجهاد أدبا وسكينة0

عشاق الحور · الصفحة ٦٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

عشاق الحورص ٦٦