نزكي على الله أحدا - وفي الخيمة التي أقامها أبو الحسن المدني (وائل جليدان) لنصلي بها تعرفت على أبي بدر وكان قد حضر مع صديق له مع زوجيهما للجهاد وقضى إجازته ثم عاد بعد أن فاتحني بإمكانية قدومه إلى أرض الجهاد وأطلعني أن زوجته جامعية بإمكانها أن تقوم بدورها في تعليم اليتيمات, فقلت له: في الأمر سعة وحيهلا ونرجو الله أن ييسر كفالة أسرتكم.
وعاد أبو بدر إلى بترومين حيث يعمل ولكن الحياة لا طعم لها بعد أن تذوق حلاوتها الحقيقية وبدأ الصراع للقدوم في أعماقه وانتقل النقاش واحتد في بيته بين والده الذي يضن به عن الموت كما يحسب وبين نفس وثابة تواقة للجهاد.
وجاء الفرح: ألقيت محاضرة في مسجد الشعيبي وإذا بكهل يأخذ أبا بدر بيده ويسألني أمام الناس: هذا ابني يريد أن يترك زوجته وابنتين ويذهب إلى الجهاد وأنا غير راض فما حكم الشرع في هذا? فقلت: (لا استئذان في فروض الأعيان) فلا تستطيع منعه شرعا والآن تعين الجهاد في أفغانستان. فقال الوالد: إن كان رأي الإسلام هكذا إذن نسكت.
وجاء أبو بدر مرة أخرى: ودخل معسكرات الإعداد ثم عاد إلينا ووجدناه شابا ناضجا إذ أنه من مواليد سنة (3731هـ) فعمره في السادسة والثلاثين فجعلناه مشرفا على إخوانه في بيت الضيافة الذي يستقبل القادمين لتوجيههم إلى الإعداد والجبهات.
وبدأت التلفونات ترد إلينا من زوجه وأمه وأهله يودون لو يفتدونه وراجعته فقال: (دعك من هذا) وكان يكرر كلمته (لا رجوع إلا بعد فتح كابل أو الشهادة).
وجاءت معارك جلال أباد: ودخل المعركة مع ستة من العرب في جمع غفير من الأفغان بقيادة مولوي محمد فاروق من الجمعية ودمر المجاهدون ست دبابات وأثناء الزحف على المطار جاءت نازعة الأرواح (قذيفة الهاون) فأصابت أبا بدر وأبا الدرداء المطو ع, أما أبو الدرداء فقد قضى لتوه وعلى الفور وأما أبوبدر فبقى على قيد الحياة.
شجاعة أبي عائشة: وخاطر أبو عائشة اللبناني بنفسه وحمل أبا بدر وطلب الماء لأن الجريح يعطش فقال له صبرا فالنهر أمامنا وفي الطريق هبت ريح طيبة فخرجت الروح, وفي الحديث (اخرجي أيتها الروح الطيبة في الجسد الطيب اخرجي إلى روح وريحان ورب غير غضبان).
وقد أصبح خروج الشذى الطيب علامة لخروج الروح, قال أبو عائشة: ثم انبعثت رائحة طيبة مرة أخرى وجئ بالجثمان إلى بيت الضيافة.
مائة من العرب يقفون على نافذة الغرفة التي فيها جثمان أبي بدر يتنسمون العرف (الرائحة) الطيب الذي يعبق شذاه في الأنوف.
وأخذ أبو إبراهيم العراقي من دمه على يده وقال لزوجه شم ي فشمت رائحة عجيبة طيبة.
وسار الموكب يوم الثلاثاء في (12) مارس سنة (9891م) نحو مقبرة الشهداء في بابي (قرب بيت الشيخ سي اف) ووضعته بيدي في القبر وقد لاحظت إشراقة صفاء عجيبة على وجهه مع أنه أسمر داكن (يميل إلى السواد).
وعدنا وبقي الدم الذي على قطيفته ينضح طيبا وبعد خمسة أيام ذهبت إلى الرياض لإلقاء محاضرة عن الجهاد الأفغاني فأخذت القطيفة معي وشم ها أهل الرياض.
فآمل من الله أن يجمعنا به في الفردوس الأعلى وقد اتصلت بأهله وبوالده فكان وقع المصاب عليهم كبيرا إلا أن والده قال لي (لن أفتح بيتا للتعزية) بل للتهنئة.
فرحمه الله ونرجو الله أن يبارك في زوجه وبناته وأن يجبر مصيبة زوجه ويبدلها خيرا منه, كما ورد في الحديث الصحيح عن أم سلمة رضي الله عنها.
أبو الدرداء (إسماعيل عبد الله محمد المطوع):
تبكي على الأنصل الغمود إذا ... أنذرها ... أنه ... يجردها
لعلمها أنها تصير دما ... وأنه في الرقاب يغمدها
أطلقها فالعدو من جزع ... يذمها والصديق يحمدها
تنقدح النار من مضاربها ... وصب ماء الرقاب يخمدها
إذا أضل الهمام مهجته ... يوما فأطرافهن تنشدها