تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عاد أبو عبد الحق ودخل مخبره ليعمل على إصلاح الأجهزة وتركيبها وحلها وكنت أراه داخل مخبره كأنه الراهب في صومعته أو العابد في زاويته, وكان لا يسمح للناس بزيارته, فكنت إذا دخلت عليه علت وجهه ابتسامة مشرقة وترى السرور من خلال بريق عينيه الذي يتراءى لك من وراء نظراته, وكنت لا أطيل عليه كزيارات المريض لأني قطعت عليه حبل تفكيره مع جهازه الذي يرى أن العمل فيه خير من صلاة النوافل لانه يعتبر الأعداد فرضا , أما صلاة النافلة فهو مندوب ولا شك أن الفرض مقدم على النافلة0

كان لا يتكلم إلا بقدر, وكثيرا ما كان يواجهني بأسئلة يتحرى فيها لأمر دينه, وهذه الأسئلة يعدها في ذهنه ريثما يهتبل فرصة لقائي0

كنت لا أراه إلا خاليا مع أجهزته أو يطالع في كتاب فقهي أو فكري0 يسأل وأجيبه ولا يناقش, يسأل بأدب وعيناه في الارض كأنك تعيش مع تلميذ وأستاذه في القرن الثاني الهجري في المسجد الأموي أو في دار الحكمة, بذلك الأدب الرفيع والتواضع الجم والاتزان المهيب0 تعرف آداب العالم والمتعلم وحق العلم والتعلم0

لا يعرف الجدل ولا يعقب على كلام المجيب ولا يتمحل ولا يتشدق, سألت أحد الأخوة المجاهدين من بلده, هل تعرف أبا عبد الحق وانت معه في الساحة? قال: أعرفه ولكن لم أجلس إليه0

ويبقى المهندس عاما كاملا يأكل ويشرب وينام في زاويته التي يتعبد الله بها من خلال أجهزته, ومن الله عليه أخيرا بقدوم زوجته ورؤية ابنته فاطمة التي ولدت ولم يرها بعد0

وقسم دهره قسمين ليلة لزاويته وليلة لزوجته, وكان يعود قرب العشاء وبيده جهاز ويجلس مع زوجته فتبدأ الكلام مه وعقله مشغول بجهازه, فكانت تغار من أجهزته وتغضب وتقول: أنت تحضر ضرتي لتأخذ من ليلتي, هذه الليلة لي وليست لضرتي -تعني جهازه- كان أبو عبد الحق زاهدا , فكان يخصص لنفسه سبع روبيات مصروفا في مخبره أي حوالي ريال وربع, وكنت تدخل بيته فأول مايثور في خاطرك قصص أبي ذر الغفاري وسلمان الفارسي في الزهد -رضي الله عنهما-0

وذات يوم جاء من يخبرني أن المهندس في المستشفي وذهبت لزيارته فوجدت الصفرة قد علت محياه فزادته إشراقة على إشراقة وجسست حبهته فوجدت عليها قليلا من الحرارة ولكن حالته لم تكن في النظرة البشرية خطيرة وقرأت عليه الأذكار الواردة في الإسترقاء0

وفي هذا المرض رأى أبو عبد الحق رسول الله ص وناوله ورقة وإذا بها (الشهادة مع اسمه الصريح) فنادى صاحبه وكان الى جواره فعظم أيام مرضه وقال: اكتب وصيتي جاءت الشهادة يا أخي فبدأ صاحبه يحاوره إبعادا لهواجس الموت وشبحه عن ناظريه وفكره فقال: اين الشهادة? الشهادة في المعركة وأنت في المستشفى, قال المهندس: أنا هنا مرابط رغم أنفي مع أن قلبي معلق في المعركة, ألم تسمع قوله تعالى:

(والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم الله رزقا حسنا وإن الله لهو خير الرازقين ليدخلنهم مدخلا يرضونه وان الله لعليم حليم)

(الحج: 85 - 95)

وكان الصحابي فضالة بن عبيد في غزوة فتوفي مجاهد واستشهد آخر فجلس فضالة عند قبر المتوفي فقيل له: تركت الشهيد فلم تجلس عنده فقال: ما أبالي من أي حفرتيهما بعثت إن الله تبارك يقول: (والذين هاجروا في سبيل الله000 لعليم حليم) فما تبغي أيها العبد اذا دخلت مدخلا ترضاه ورزقت رزقا حسنا ? والله ما أبالي من أي حفرتيهما بعثت رواه الطبراني بإسناد صحيح0

وقد روى الإمام أحمد الحديث قال ص: من وضع رجله في الركاب فاصلا في سبيل الله فلدغته هامة أو وقصته دابة اومات بأي حتف مات فهو شهيد رجاله ثقات والحديث صحيح0

وأذعن صاحبه لطلب أبي عبد الحق وسطر الوصية ومما جاء فيها: (000 وقد نذرت روحي ومعرفتي وجسمي لله حتى كلفني ذلك ترك فلذة كبدي وزوجتي الودود لمدة سنة كاملة كانت سنة تمحيص000 بعدها أمرت بالرباط الطويل في نفس المكان كنا نعمل ليلا ونهار فكنت اركب وأجمع وأدرس وأتعلم ولا أعطي لأهلي إلا القليل من وقتي, ذلك لقلة المهندسين المسلمين في أفغانستان ولم يمنعني هذا ان اجد لذة انفاق بدني في سبيل الله وكانت الأخبار تمسح عنا التعب إذا هبت ريح مسك لشهيد قرآني فكانوا غذاءنا وشرابنا وعطرنا وكلنا يلهج ليأخذه معهم ...

يلهج ليأخذه معهم000 وإذا توفيت أخبروا الشيخ عبد الله عزام ليخبر زوجتي واختتم الوصية بالآية (وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ماكنت منه تحيد) ورأت زوجته قبل وفاته بأيام قليلة رسول الله ص يحمل جنازة وكان

عشاق الحور · الصفحة ١٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

عشاق الحورص ١٤