تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن بين الذين رفعهم دمهم وأظهرتهم شهادتهم فكان موتهم حياة وفراقهم لقاء وغيابهم حضورا شهداء ورأينا أجسادهم في فلسطين وأفغانستان ومن بين من عرفت (أبو عاصم).

أبو عاصم (محمد عثمان) شاب يافع مثقف ولد في أسرة متوسطة في مستواها الإجتماعي والعلمي والمالي, وشب كباقي الشباب ولكن في جو مكفهر يطارد المسلمين ويلاحق الإسلام فكانت نشأته عادية لم تتوله يد حانية بالتربية ولم تتعهده عناية معلم بالتوجيه الروحي والثقافي والخلقي0

ومن جراء السياط اللاهبهة لظهور المسلمين كان أبو عاصم من بين الذين هربوا ببقية إنسانيتهم حفاظا على روحه التي بين جنبيه وبدأ التحول في هجرته المضنية, من خلال لفح طريقها وشدة محنتها بدأت النفس تتجه إلى الله واتجه أولا إلى القرآن ينهل من نعيمه العذب ويتعلم القراءات وأحكام التلاوة والترتيل, وبدأت نفسه تتأدب بآداب القرآن, قال لي من سكن معه: كنا أحيانا نتحدث بأمور الدنيا وهو صامت فينسل من بيننا دون أن نشعر, فنفتقده وإذا به اعتزل في غرفة أخرى يقرأ القرآن0

وكان يحب صيام الإثنين والخميس ويقوم الليل شغفت نفسه بطلب العلم في ملتان, وحفظ القرآن ولم يبقى منه إلا جزءان عندما قابلته لأول مرة في بيشاور, ولكنه أتم حفظ القرآن في بنجشير0

كانت المقابلة قبل عام ونصف, رأيت على وجهه إشراقة, أشقر الشعر باسم الثغر, رزين السمت وإذا تكلم فبقدر ويفتر عن مثل حب الجمان.

قال لي: أريد أن أواصل تعلم القرآن فقلت له تكفيك الآن رواية حفص إذ أنه حل بالمسلمين ما شغلهم حتى عن أولادهم وأنفسهم00 الآن جاء دور الجهاد.

وراجعني بكلمة أو كلمتين فقلت له: هذا هو السبيل في المرحلة الراهنه.

وبدأ رمضان فأخذ الشباب يجتمعون إليه في صلاة التراويح ولكأنما تسمع القرآن غضا طريا كما أنزل0

وفي هذه الفترة كان أهله يلحون عليه بالعودة إليهم فقال لهم لن أعود إليكم, وجاءوا بخطيبته لتكلمه في التلفون قائلة: لن أتزوج ما دمت حيا فرد عليها قائلا: تزوجي غيري فلا عودة إليكم, هنا الحياة وهنا الممات.

وانتصف رمضان وتحركت قافلة بنجشير ليرافقها أبو عاصم وودع بيشاور وداعه الأخير.

وصل أبو عاصم إلى (أحمد شاه مسعود) بطل بنجشير وأسد الشمال, وعندما رآه تمسك به وقال لا تفارقني في حل وترحال ولا سفر ولا حضر, علمني القرآن واللغة العربية0

وانطلق أبو عاصم في مسيرة الجهاد المباركة وبدأ أحمد شاه يعد له الدورات التربوية القرآنية الروحية من القادة الذين حوله ومن خيار المجاهدين عنده وخلال عام كان قد ربى مائتين من القادة والجنود! على كتاب الله تلاوة وتجويدا , وعلى صيام الإثنين والخميس, وعلى قيام الليل, قال لي عبد الواحد -أحد الإخوة العرب في بدخشان- إستمعت إلى شاب أفغاني يتلو القرآن تلاوة صحيحة مع مخارج الحروف فسألته من أي جامعة عربية تخرجت?

فقال تخرجت من جامعة أبي عاصم العراقي! وتعلق المجاهدون به تعلقا عجيبا , فصار لا يتحرك إلا ويقولون: جاء قارئ صاحب (أي القارئ المحترم) وذهب قاري صاحب وأقبل رجب وبدأ أبو عاصم يعد الأيام حتى يأتي رمضان ويفرك يديه قائلا: آه على شهادة في رمضان, وجاء اليوم الرابع عشر من رمضان (6041ه-) وجاءت معه معركة أندراب-بغلان واستأذن أبو عاصم ليشترك في المعركة, ويفجر باب القلعة التي يهاجمونها, وأذن له.

وسجل المسؤول أسماء الأخوة المشتركين فكانوا مئة وعشرة من المجاهدين, وسجل بجانب اسم أبي عاصم كلمة شهيد.

قال عبد الله أنس: قلت للأخ الذي سجل الأسماء (صفي الله) أنت مستعجل على العرب نحن إثنان تريدون أن يذهب واحد الى ربه ويبقى واحد? قال صفي الله: أقسم أنه لن يرجع أولا ترى نور الشهادة بين عينيه? أنظر إلى وجهه, ثم أقسم ثالثة ورابعة أن أبا عاصم شهيد في هذ ه المعركة0

وأفطر المجاهدون جميعا استعدادا للمعركة عدا أبي عاصم (وشاه قلندر) , ووصل المجاهدون القلعة وفتحت الرشاشات وكان لابد لابي عاصم أن يقوم بدورة تحت نيران الرشاشات, وتقدم كالليث وبسرعة خاطفة وضع الألغام تحت باب القلعة وفجرها فانهار الباب وقسم من الجدار وانهارت معه معنويات الكفار ودب الرعب في قلوبهم وانطلق المجاهدون يكبرون وكان من أوائلهم أبو عاصم وشاه قلندر فاصابتهم رصاصات واستشهدا فكانا هما فقط الصائمين الشهيدين دون أن يستشهد غيرهم0

مضى أبو عاصم إلى ربه:

عشاق الحور · الصفحة ١٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

عشاق الحورص ١٢