تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فكيف لا نكتب عنك, وهل يستطيع صاحب العطر أن يمنع الشذى أن ينتشر في الآفاق? ويضوع بأريجه الطيب في الجو?

أتريد أن تكف الألسنة عن ذكر الخير ونشر البر! وإذا طفحت القلوب بالمحبة وأفعمت بالإعجاب فمن ذا الذي يمسكها أن تعبر عن إعجابها أو محبتها? إن لم نكتب عنك في الجهاد فكيف تمنع إخوانك في اليمن أن يسطروا بالمداد الممزوج بالدموع والأسى عن ذكرك?

بائع الليمون: زارني ذات مرة في بيت أبي عبد الله في جدة وكنت مزمعا على زيارة أخ عزيز فأحب أن يرافقني فقلت له: لو غيرت ثوبك حتى لا يظنك الناس بائع ليمون قلتها هازلا فضحك ملئ شدقيه وكنت كلما لقيته غالبا يبادرني القول: كيف الليمون?

وإن صمتت البنيان عن التشرف بذكرك وتزيين صحفاتها بصورتك فكيف يمكنك أن تسكت ألسنة الذين عايشوك في الجهاد في قندهار وجاجي وخلدند وخوست وننجرهار وجلال آباد? إنك حاولت ولكنك تحاول عبثا.

يا لائمي في الهوى العذرى معذرة ... مني إليك ولو أنصفت لم تلم

محضتني النصح لكن لست أسمعه ... إن المحب عن العذال في صمم

طلائع الجهاد: لقد كان عبد الله من أوائل الذين قدموا إلى أرض الجهاد يرافقه الشيخ غيلان أبو فارع في الخمسينات من عمره, وحل وا في كتيبة بدر واشتركوا في الجهاد داخل أفغانستان, جاء غيلان يحمل ماله ولم يثنه كبر السن ولا عظم الثروة أن يقبل بنفسه إلى الجهاد, وكانا يحملان مبلغا طيبا من المال الذي جادت به نفس غيلان مع ما جمعوه من الصالحين والمحسنين.

ومكث عبد الله فترة ليست قليلة في الجهاد ثم عاد إلى اليمن ولم يكن آنذاك ترتيب للعرب ولا معسكرات ولا بيوت ضيافة إذ لم نكن قد أنشأنا مكتب الخدمات بعد.

ولكن النفوس التي تتذوق حلاوة الجهاد ليس من السهل عليها أن تعود إلى حياة رتيبة لا ترتفع الإهتمامات فيها عن نوع الطعام وشكل اللباس وأحسن حالاتها الدراسة في كتاب ديني في مسجد من المساجد أو داخل غرفة مقفلة.

وبدأ الحنين إلى أرض النزال يعاوده ويشده ويؤرق عليه أجفانه ويقض عليه مضاجعه فعاد مرة أخرى ورابط في جبهات مختلفة, ثم أفتى له بعض الأحبة والمتعلمين أنه لابد أن يدرس العلم الشرعي حتى يكون عالما داعية, وهنا بدأ يراوده أمر ملازمة كتب العلم مع خدمة الجهاد, وجمع المال له, والقيام بحملة إعلامية له والذود عن حياضه, والذب عن جنابه.

في كلية الشريعة: وفي السعودية ألقى عبد الله عصا ترحاله ودخل الكلية وبدأ ببناء نفسه علميا , ولقد كان الكتاب لا يفارقه في المعسكرات فكثيرا ما كنت أجده يحمل كتاب الأذكار للنووي وبعض كتب ابن القيم كالوابل الصيب أو الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي. وحيثما حل إما أن تجده واعظا يلقي دروسه أو مستمعا مصغيا يلتقط أطايب الكلام كما يلتقط أطايب التمر أو تاليا لكتاب الله -عز وجلـ.

وكنت تلمس فيه الورع -نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحدا - وكثيرا ما كان يتكلم عن الآخرة, عن عذاب القبر وعن النار والجنة.

فكان الشيخ عمر سيف متخصصا بوصف الجنة وحورها وقصورها وغرفها وكان عبد الله النهمي يكاد يكون متفردا بالتذكير بعذاب القبر وأهوال القيامة.

العودة إلى الجهاد:

وقبل سنة ونيف تقريبا ألقيت محاضرة في جدة في مسجد الأمير سلمان وسج لت المحاضرة بالفيديو واستمع عبد الله النهمي إلى المحاضرة قال: فسمعتك تقول فيها: (الجهاد الأفغاني سوق عقد وكاد ينفض ربح فيه من ربح وخسر فيه من خسر) قال فهزتني هذه الكلمة وعزمت على تطليق الجامعة ثلاثا لا رجعة فيها.

وشد عبد الله النهمي رحاله وأقبل إلى الجهاد وتوجه إلى صدا حيث تمسك به أبو برهان يريده أن يكون داعية عنده, ثم شده أبو عبد الله إلى المأسدة حيث يعظ ويوجه, ثم تردد بين جاجي (المأسدة) وخوست.

ثم إلى قندهار: وتسابق أبو عبد الله وأبو الحسن على النهمي فكل يريد أن يشده إلى جهة فأبو عبد الله يدفعه للذهاب إلى قندهار لأنها خالية من داعية ناضج يلتف الشباب حوله وحرص على إرساله ولو لمدة أسبوعين, وأما أبو الحسن فيود لو يأخذه معه إلى كابل ليكون رفيق درب الجهاد, وفاز أبو عبد الله بإرساله إلى قندهار.

عشاق الحور · الصفحة ١١٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

عشاق الحورص ١١٣