تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فقد ضرب هذا الشهر رقما قياسيا في الشهداء خاصة بالنسبة للإخوة العرب فقد أشر العقرب حتى اليوم على العدد (43) والمعارك لا زالت محتدمة حول جلال آباد وخوست وأصبحت سيارات الإسعاف لاتفي بالحاجة المطلوبة إذ ضاقت سيارات لجنة الدعوة والهلال الكويتي التي حازت قصب السبق في الوقوف أمام الزحف الصليبي في الميدان الصحي عن القدرة على نقل كل الجرحى, وامتلأت أسرة مستشفى الفوزان والهلال الكويتي من المصابين, وأبواق سيارات الإسعاف وأضواؤها لا تكاد تكف عن الهدير والبريق, وما بين عشية كل يوم أو ضحاه صرنا نودع عزيزا أو أحبة يمضون حاملين معهم مهجنا وقلوبنا.

إن التفسير الإسلامي للتاريخ يقوم على أساس أن للإنسان غاية في هذه الحياة وهي الإستخلاف.

(وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة)

(البقرة: 13)

واشترط رب العزة شرطا لهذا الإستخلاف وهو:

(فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى)

(طه: 321ـ421)

والتاريخ البشري في المنظور الإسلامي هو تحقيق المشيئة الربانية من خلال الفاعلية المتاحة للإنسان في الأرض بقدر الله وبحسب سنن معينة يجري الله بها قدره في الحياة الدنيا.

والتاريخ من جهة أخرى هو سعي الإنسان لتحقيق ذاته كلها لا البحث عن الطعام فحسب (كما هو التفسير المادي الماركسي للتاريخ) ولا المتاع والسيطرة والإستحواذ (كما هو التفسير الليبرالي للتاريخ).

وإنما هو تحقيق كل ما يشتمل عليه الإنسان من طاقات وقدرات وتطلعات وأشواق إلى جانب الضرورات القاهرة والرغبات القريبة, ومحاولة نقل المبادئ التي يعتنقها الإنسان والعقيدة التي يحملها بين جوانحه إلى واقع حياتي وأحداث يومية.

أي محاولة تحويل الكتاب والس نة والآيات والأحاديث والنصوص إلى سلوك إنساني وأخلاق ومعاملات تمشي على الأرض يراها الناس فيرون الإسلام, وهو تاريخ الفرد والجماعة في ذات الوقت من خلال تشابكهما الذي لا ينتهي وتدافعهما الذي لا يقف عند حد.

والتاريخ الإسلامي أكبر شاهد على تهافت التفسير المادي والليبرالي للتاريخ, إذ أنه حصل خلال نصف قرن أن فتحت نصف المعمورة آنذاك واستمرت الدولة الإسلامية بضعة عشر قرنا مصونة بالحق الذي جاء به هذا الدين محمية بالسيف الذي بعث به سيد المرسلين.

لقد حصل التحول التاريخي في هذه الفترة المعجزة من التاريخ دون أن يحصل أي تغيير في وسائل الإنتاج ولا تبديل في مصادر الإقتصاد والدخل.

وشاءت إرادة الله -عز وجل- أن تنزلق أقدام الدب الروسي على سفوح الهندوكوش والتقى أحد العملاقين الضخمين في الأرض -الإتحاد السوفياتي- ويدعمه حلف وارسو مع شعب فقير أعزل أمي لا يملك من حطام الدنيا شيئا , وكان التفسير المادي الماركسي يوجب أن تنهزم القوة الرجعية الدينية أمام القوى التقدمية, لأن الدين أفيون ومخدر لمشاعر الشعوب وأنه علق تمتص دماء الشعوب.

إلا أن التفسير المادي الماركسي للتاريخ قد بان زيفه وتعري زيغه وظهر أنه سراب خادع قد استهوى به فراش الأمم التي احترقت بجحيم الشيوعية باسم التقدم وانقاذ العمال والبرليتاريا والديالكتيك.

لقد كانت الشيوعية لعنة صبت على البشرية فأذاقها الله الويلات على أيديها بظلمها وبذنوبها (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير).

أقول: هزمت الشيوعية وأصيبت بقاصمة الظهر وبدأت تعاني من أزمات داخلية وقلاقل وتمزقات في أعماقها برزت بعض مظاهرها في أذربيجان وتاجكستان وجورجيا (النصرانية).

وستشهد السنوات القادمة والله أعلم تحولات خطيرة في الشيوعية ولعل نهايتها قد أزفت وعاد الحنين مرة أخرى إلى الجن الذي هربوا منه إلى الكنيسة ورجالها والكلام في هذا الكلام يطول.

صناعة التاريخ: وتاريخ الأمم إنما يجري بقدر من الله على أيدي أفذاذ يسطرون بدمائهم ويشيدون بمواقفهم وصلابتهم أمجاد الأمم وحصون عزتها وقد بدت صناعة التاريخ الإسلامي جلية في أفغانستان, فبدأت معاقل الإسلام حديثا ترتفع ولكن بالجماجم لا بالحجارة والطوب, وكان المجاهدون الأفغان جزءا من قدر الله لهذه الأمة التي بدأت تنهض من كبوتها وتستيقظ من سكرتها وترتفع من مستنقع وهدتها وارتكاسها.

والأمم تحرص على كتابة تاريخ أفذاذها لتربية مقبل أجيالها, وبناء الناشئة من أبنائها على القيم التي ضحى من أجل غرسها أبطالها وقممها.

عشاق الحور · الصفحة ١١١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

عشاق الحورص ١١١