وحبس وهو بريء، لأن الشيخ عليشا غاضبا عنه؛ فكان ذلك كرامة للشيخ عليش،
ولم يلتفتوا أن الشيخ عليشا قبض عليه وحبس أيضا، ولم يقولوا إن ذلك
كرامة للشيخ محمد عبده؛ لأن الشيخ عليشا سمع فيه وشاية وحاول إيذاءه.
وذلك أن الشيخ محمد عبده كان متهما بالعقل والحكمة لأنه أول من قرأ في الأزهر
كتاب العقائد النسفية وبعض كتب المنطق والحكمة، التي لم تكن تقرأ لذلك العهد ثم
صارت تقرأ بعد ذلك بلا نكير، ألم يقل بعض الناس إن ابن الشيخ الظواهري أخذ
شهادة التدريس لأن والده يخدم ضريح السيد البدوي فتلك كرامة للسيد؟ وقد أخذ
مثل هذه الشهادة كثيرون ولم يعد ذلك كرامة لأحد، بل قال بعض الحمقى في هذه
الأيام إن الشيخ عليا البيلاوي صار شيخا للأزهر بسر سيدنا الحسين (عليه الرضى
والسلام) لأنه كان خادما للمسجد الذي فيه الضريح المنسوب له! وقد خدم هذا
المسجد غيره ولم يكافئهم سيدنا الحسين بهذه المكافأة ونال مشيخة الأزهر كثيرون لم
يخدموا المسجد الحسيني فلم يعد ذلك من الكرامات وخوارق العادات! ! !
ذكرنا هذه الشواهد المتعلقة برجال معروفين من أهل الطبقة العليا في
المسلمين، ويعرف كل واحد من الناس مالا يحصى من أمثال هذه الشواهد التي
يلهج بها الناس في كل مكان وهي عندهم أقوى من كل برهان، بل أقوى من الحس
والعيان والإحساس والوجدان، بل هي ركن الإسلام والإيمان، ويخشى بعض
الخواص من تشكيكهم فيها أن يمرقوا من الدين وينفلتوا من جماعة المسلمين، وقد
نقلنا هذا الرأي فيما سبق عن بعض كبار الشيوخ، وهو أنه يجب التأني في بيان
الحق في مسألة الاعتقاد بالأولياء، والتماس المنافع، ودفع المضار من أصحاب
القبور، وجعل ذلك تدريجيا؛ لئلا نفسد اعتقاد العامة الذين لا يعرفون من دلائل
الدين غير ذلك، وقد تقدم في مقالات البحث في إثبات الكرامة، وسنذكر في الجزء
الآتي الحق الصريح الذي ينبغي تلقينه للناس في المسألة، وبيان منافع هذا الاعتقاد
ومضاره، ووجوه تأويل ما ينقل عن جميع الأمم من الخوارق، فلا يعجلن القارئ
المغرم بهذه المسائل بالحكم حتى يقرأ المقالة الآتية مفصلة تفصيلا.
((يتبع بمقال تال))
-----------------
<span class="footnote">
</span></span>
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">