المشاهدة، ومن ذلك ظهور المسيح ووالدته عليهما السلام للعباد في اليقظة والمنام،
وظهور غيرهما من القديسين.
ومنه استجابة الدعاء، والإخبار بالمغيبات الذي يسميه المسلمون كشفا،
ويسمونه نبوة، ومنه طي الأرض، وتقريب المسافات البعيدة، ومنه إشراق
الوجوه بالأنوار وقت العبادة، ومنه نزول المصائب والرزايا بمن يؤذي القديس،
ومنه قضاء الحاجات، والفوز بالخيرات لمن يتوسل بأحد القديسين والرهبان
المتوحدين ويتخذه شفيعا عند الله، ومنه شفاء المرضى والمجانين ببركات القديس
الحي إذا لمس المريض أو صلى له (أي دعا) . والقديس الميت إذا زار المصاب
قبره، ومنه حبل النساء العواقر بالبركة والزيارة، ومنه إخراج الشياطين من
المصروعين، ومنه ظهور الملائكة للقديسين ومصاحبتهم ومساعدتهم إياهم في
بعض الشئون، ومنه الصبر عن الأكل والشرب زمنا طويلا، ولكن الذي ينقل عن
الهنود من هذه الخارقة لم ينقل مثله عن غيرهم؛ فإن أحدهم يدفن في الأرض نحو
شهر أو أكثر ثم يخرج منها حيا، وينقلون من كرامات القديسين ما هو أعظم مما
ذكر، ويدعون في بعضها التواتر، فقد جاء في كتاب (العيشة الهنية في الحياة
النسكية) أن من عجائب القديس أغناطيوس التي تزيد على مائة عجيبة ما هو ثابت
بشهادة ستمائة وسبعين رجلا.
هذا تواتر حقيقي، والتواتر حجة عقلية باتفاق علماء المسلمين وغيرهم،
والذين يدعون هذه الدعوى للقديس أغناطيوس يسهل عليهم أن يسردوا أسماء أولئك
الشاهدين ومن نقل عنهم، فلا يبقى للمنكر عليهم إلا أن يلجأ إلى تأويل تلك
الخوارق، وإثبات أنها خوارق وهمية لا حقيقية، وهنا يحكم العقل السليم من
شوائب التحيز والتعصب، الذي ينظر إلى الأمم نظرا واحدا لا يريد منه إلا
استجلاء الحقائق بأن التأويل إذا جاز فيما ينقل عن قديسي النصارى وكهنة البراهمة
جاز ينقل عن شيوخ المسلمين، فإذا كانت طرق النقل عند جميع الأمم واحدة؛ فإما
أن نصدق الجميع، وإما أن نكذب الجميع، وإما أن نؤول الجميع ولا رابع لهذه
الوجوه، ومن قال من هذه الفرق: إنني أثق بنقل قومي دون غيرهم لأنني عالم
بحسن سيرتهم، يقال له: وغيرك كذلك فليس لك أن تحتج بأن ما ينقل عن صالحي
ملتك دليل على صحتها لأن هذا الدليل هو الذي يسميه علماء النظر مشترك الإلزام.
وإذ ذكرنا القديس أغناطيوس - وهولويولا مؤسس (طغمة الجزويت) التي
يستغيث من طمعها سائر فرق النصرانية - فإننا نشير إلى بعض عجائبه أو خوارقه
على سبيل النموذج، قال القس أفرام في ترجمته عند ذكر رياضته الأولى بعد تركه
الجندية ودخوله في الإكلركية: (وقد اتفق له مرة أنه نهض لممارسة رياضته هذه
الاعتيادية فتقدم إلى أيقونة والدة الله (تعالى الله عن الوالدة والولد) وجثا أمامها
بأقوى ما يكون من العبادة، وقدم نفسه للسيد المسيح بواسطتها وخصص حياته
لخدمة الابن ووالدته المجيدة، واعدا إياهما بكل نشاط نفسه أنه يخدمهما خدمة دائمة،
وفي انتهاء صلاته هذه سمع صوتا عظيما، وتزلزل المكان الذي كان فيه وانكسر
كل زجاج النوافذ حتى إن حائط المكان انشق أيضا، وأظهر الله تعالى بذلك سروره
بتقدمة عبده نفسه لخدمته عز وجل) اه.
وكأني بإخواني المسلمين وقد ضحكوا من هذه الأعجوبة ونظموها في سمط
الخوارق التي سماها المتكلمون خذلانا، وتلوا قوله عز وجل: {تكاد السموات
يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا وما ينبغي
للرحمن أن يتخذ ولدا} (مريم:90-92) ولكني أذكر لهم مالا يمكن أن يعدوه
خذلانا.
قال القس أفرام:
(وقد شاء ابن الرجل الذي كان أغناطيوس مقيما بمنزله، أن يعرف كيف يقضي
الليل فرآه مرة ساجدا متأملا بوجه ملتهب مبتل بالدموع ومرة أخرى أبصره مرتفعا
من على وجه الأرض ولامعا بالنور كالشمس متنهدا وقائلا مرارا كثيرة: (يا إلهي
يا حبيب قلبي وسرور نفسي، ليت الجميع يعرفونك حتى لا يجسر أحد منهم أن