بالتدريج أربع طرق عظيمة تجارية توصل بين مدينتي قادس وطنجة إلى أقصى
آسيا.
(إحداها) تخترق أسبانيا وأوربا وبلاد سلاوونة إلى بحر جرجان ومدينة
بلخ وبلاد تجزجز.
(والثانية) تخترق بلاد المغرب ووادي النيل ودمشق والكوفة وبغداد والبصرة
والأهواز وكرمان والسند والهند.
(والثالثة والرابعة) تعبران البحر الأبيض المتوسط وتتجه إحداهما من الشام
والخليج الفارسي والأخرى من الإسكندرية والبحر الأحمر للتوصل إلى بحر الهند،
فكثرت بهذه الطرق السياحات ونقل السياحون إلى أقصى البلاد ما عند العرب من
الأفكار والتمدن واستفاضت الأخبار الجليلة الفوائد؛ فنورت أذهان الملاحين
وعرفتهم الأخطار التي يخشى عليهم الوقوع فيها؛ إذا سافروا في ولايات غير
مكتشفة تمام الاكتشاف، واشتملت الأزياج التي حررها البتاني بالرقة سنة تسعمائة
(287ه) وابن يونس في القاهرة سنة ألف (390ه) على كتاب رسم
الأرض بلا تغيير كبير، وأما ابن حوقل والإصطخري والمسعودي المشهورون في
نصف القرن العاشر من الميلاد فوصفوا في كتبهم صورة الاكتشاف الجديد،
وحسب العلامة الكومي سنة 1067 الأطوال من ابتداء الطرف الشرقي من الأرض
القارة.
وزعم بعض الفرنج أن العرب كانوا متبعين في أول عصر بني العباس
الروايات الهندية مع أن كتاب مبادئ الفلك المسمى (بسند هند) إن صح نقله إلى
المنصورة سنة 775 (158) لم يكن له عظيم اعتبار عند العرب؛ فإنهم ظفروا
عما قليل برسالات يونانية وتركوه لا يتفوهون باسمه إلا ليبينوا ما فيه من الغلط،
ولم يعولوا في شيء من الجغرافية على كتب توضح أن شبه جزيرة هندستان في
مركز العالم وأن خط نصف النهار الذي يبين نقطة وسطها يخترق مدينة أوجين
وجزيرة سيلان، وبحث العرب في كتبهم عن خط نصف نهار القبة الأرضية، وهي
فيه عرين للتنصيص على الأطوال، فظن بعض الفرنج أن المراد من (عرين)
مدينة أوجين وهو خطأ فادح، فإن القبة المنسوبة إلى عرين هي نقطة تقاطع
الدرجة التسعينية من حساب بطلميموس مع خط الاعتدال على بعد متساو من
الجهات الأربع الأصلية، وليست هي قبة أوجين فإن العرب كانوا يعرفون حق
المعرفة محل أوجين الجغرافي وأما (عرين) فكلمة اصطلاحية أرادوا بها جزيرة
موهومة بين هندستان وبلاد الحبشة سماها المؤرخ ديودور الصقلي جزيرة
أورانوس، وبدل العرب خط نصف نهار عرين أو قبة الأرض بخط نصف النهار
المار بالجزائر الخالدات فاتبع ذلك من ابتداء القرن الحادي عشر إلى الثالث
عشر. اه
وقد ألف العرب كتبا مخصوصة في مسالك البلدان حتى صار علما مستقلا
وفي أسماء البلاد والأماكن ككتاب مراصد الاطلاع على أسماء الأمكنة والبقاع
ومعجم ياقوت والمشترك، وتقويم البلدان للملك المؤيد صاحب حماه وتقويم البلدان
للبلخي كتاب (أوضح المسالك إلى معرفة البلدان والممالك) (وهذا ألف في عهد
الدولة العثمانية وأهداه مؤلفه محمد بن علي الشهير بسباهي إلى السلطان مراد
الثالث 980 ثم اختصره بالتركية.
***
العلوم الطبيعية
الكيمياء والصيدلة:
قد ارتقت العلوم الطبيعية عند العرب، واتسعت مذاهبها، وكثر الاكتشاف
والاختراع فيها، على أن حظها كان دون حظ العلوم الرياضية؛ لأن العمدة في
العلم الرياضي العقل والعمل مؤيد له، والعمدة في العلم الطبيعي العمل والعقل
مساعد له، وما يتوقف الارتقاء فيه على العمل لا يرتقي إلا بالزمن الطويل،
كانت العلوم الطبيعية من عهد أستاذها الأول أرسطاليس ضئيلة ضاوية، ثم ماتت
بضعفها، ولما أحياها العرب بإحياء الإسلام لهم تنكبوا طريق النظر المحض فيها،
واعتمدوا على التجربة؛ فحولوا الكيمياء الوهمية إلى حقيقية واشتقوا منها فن
الصيدلة (تركيب الأدوية) ، وانتقلوا إلى التاريخ الطبيعي فاكتشفوا بذلك خواص
نبات بلادهم وصموغها البلسمية، وأفادوا بها الطب والصناعة فوائد جليلة، قال