تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

معروفة عند المصريين ولا اليونان ولا الرومان أهمها:

(1) صقل العقول بصقال التوحيد الخالص وتطهيرها من صدأ الخرافات

والأوهام ليكون الفكر مستقلا فيما يعتقد يرفض التقليد ويعتمد على البرهان.

(2) بيان أن للكون سننا ونواميس ثابتة ينبغي أن يهتدي بها الإنسان في

سيره العلمي والعملي.

(3) توسيع دائرة الجنسية بجعل شريعته تساوي بين جميع الأمم والملل إذا

قبلوا حكمها، وقد كانت جنسية المصريين مصر واليونانيين أثينا والرومانيين

رومية.

(4) القصد في المعيشة فقد أسرف القوم في الشهوات إسرافا صاروا بها

شرا من البهائم.

ولو شئت أن أسرد محاسن الإسلام وأعدد مساوئ تلك المدنيات القديمة

لخرجت من جواب سؤال إلى تأليف أسفار كبيرة، وقد نشرنا في الجزء الماضي

نبذة معربة من كتاب أميل القرن التاسع عشر في انتقاد آداب اليونان والرومان

وفيها عبرة لمن اعتبر.

فإن قيل: إن النصرانية قد سبقت الإسلام إلى إخراج اليونان والرومان من

ظلمة الوثنية أقول أولا: إن النصرانية لم تنتشر في تينك الأمتين إلا بعدما داخلتها

هي الوثنية ولكنها قربتهم من التوحيد؛ لأنها نقلتهم من عبادة مخلوقات كثيرة إلى

عبادة مخلوق واحد على أن فيه معنى من الألوهية مركبا من ثلاثة أقانيم، وثانيا أن

النصرانية لم تجتمع مع مدنية الأمتين وإنما أجهزت عليها حتى محت تلك العلوم

قبل أن تبلغ كمالها، وطمست تلك الأعمال الصناعية وشوهت جمالها، وما زالت

في تدل وانحلال، حتى جاء الإسلام فانتشلها من براثن الاضمحلال، ذكر

المؤرخون أن المسيحية تمكنت في أثينا أثناء القرن الخامس، وفي أول القرن

السادس قطع يوستنيانوس أجرة المعلمين العموميين في أثينا ومنع تعليم الفلسفة؛

لأن المدارس كانت مضرة بالنصرانية، ومن ذلك الوقت أخذت أثينا بالانحطاط.

ونختم القول بنتف من التاريخ في مساوئ وخرافات اليونان والرومان الذين

يباري المقتطف بهم الإسلام، قال في برهان البيان: (بينما كان الرومانيون

محتفلين بعمل موسم تشريف لروح قيصر؛ إذ ظهرت نجمة ذات ذنب طويل

ومكثت سبعة أيام فظنت الأمة الرومانية أن روح قيصر صعدت إلى السماء

وتصورت بهذه الصورة وانتظمت في سلك العالم العلوي) ! !

فلولا وجد من الرومانيين من يقول كما قال النبي الأمي عليه الصلاة والسلام

لقومه عندما كسفت الشمس يوم مات ولده إبراهيم وظنوا أنها كسفت لموته: (إن

الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يكسفان لموت أحد ولا لحياته) .

وجاء في ذلك التاريخ أيضا: كان من ثوابت عادات اليونان وأهل آسيا بناء

هياكل للملوك، بل ولكبار الحكام ليكون ذلك أقوى في الدلالة على الانقياد والعبودية،

وأما الرومانيون فكانوا يعبدون أسلافهم في معابدهم الخاصة فقط: ثم ذكر أنه من

عهد رومولوس إلى عهد قيصر لم ينتظم أحد في سلك الآلهة التي لها هياكل ومعالم

عامة.

ومن ظلمهم أن طيباريوس اتخذ القانون القاضي بعقوبة كل من يهدي إلى

الأمة الرومانية آلة للانتقام كما يشتهي، وكانت الأمة استعدت لذلك من زمن

أغسطس الذي سلب الأمة حق التشريع والحكم في الجنايات فتفاقم الشر واستشرى

الفساد في عهد طيباريوس الذي سلب الأمة حق الانتخاب أيضا؛ لأنه كان يعاقب

كل من يتهم بقول أو عمل إشارة تعد انتقادا على الأمة، وكل الأمة كانت عيوبا ولا

بد للناس من التبرم من الشر الواقع بالقول والفعل أو الإشارة، بل كانوا يحاسبون

الناس على خواطرهم ويعاقبونهم ولم يكن القضاة يتوقفون في الحكم على المتهم

بأدنى الشبه. وكانوا يعاقبون على أمور لا تخطر في بال أحد من أهل الممالك

المستبدة التي فيها ما يشبه تلك المظالم إلى اليوم، من ذلك أن طيباريوس آخذ رجلا

باع بيته وكان فيه صورة الإمبراطور، وأن دومنيانوس حكم بالقتل على امرأة علم

أنها نزعت ثيابها أمام صورته! ! فهل كانت تلك المدنية محتاجة في إصلاحها إلى

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٤٥٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٤٥٣