تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بالحجة والبرهان بمثل قوله تعالى: {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا

ومن اتبعني} (يوسف: 108) فسر العلماء البصيرة بالحجة الواضحة، وقوله

تعالى: ﴿قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين﴾ (البقرة: 111) .

(وبناء على هذا كان الصحابة يراجعون النبي صلى الله عليه وسلم الرأي

قائلين: هل هذا شيء قلته من عندك يا رسول الله أو نزل به وحي؟ فإن قال: هو

من عندي جاءوا بما عندهم من الرأي، وربما رجع النبي إلى رأيهم كما جرى في

بعض الغزوات (منها بدر وأحد) وأوقف أمير المؤمنين عمر بن الخطاب الإمام

عليا مع رجل من آحاد يهود للمحاكمة، وعاتبه علي بعد المحاكمة بأنه لم يساو بينه

وبين خصمه؛ لأنه كناه وسمى خصمه وفي التكنية تعظيم وتعظيم أحد الخصمين

ولو بمثل هذا مناف للعدالة والمساواة، وراجعت امرأة عمر وهو على المنبر في

مسألة تحديد المهر محتجة عليه بآية ﴿وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا﴾ (النساء: 20) فقال: أصابت امرأة وأخطأ عمر.

وأبلغ من هذا أن النبي عليه الصلاة والسلام طعن سواد بن غزية بقدح (سهم لا

نصل له ولا ريش) في بطنه وهو مكشوف ليستوي في الصف يوم بدر فقال: قد

أوجعتني فأقدني: فكشف له عن بطنه ليقتص منه فطفق يتمسح به، وكان ذلك منه

توسلا للتوصل إلى هذا الشرف العظيم وآذن الناس قبل موته بأن من له حق عنده

فليطلبه، وإذا كان نحو ضرب فليقتص منه وأذن لرجل أن يضربه حين ادعى أنه

ضربه يوما فقال الرجل: إنني كنت عاري الكتف أو الظهر: (شك من الراوي)

فألقى له الرداء عن عاتقه الشريف وكان شأنه في ذلك شأن سواد بن غزية.

(والنتيجة أن الإسلام قرر العبودية لله وحده والحرية في ضمن دائرة

الشريعة والمساواة بين الناس في الحقوق والواجبات وإطلاق الإرادة والفكر من

سلطة كل زعيم وسيطرة كل رئيس روحي، ومقتضى ذلك أن يكون المسلم عبدا

كاملا لله حرا كاملا بالنسبة لما سواه) .

هذا بعض ما قلناه في المسألة من نحو خمس سنين وبعده كلام في سلطة

مشيخة الطريق كيف ظهرت وماذا أعقبت.

* * *

(مجمل الدلائل على نفي السلطة الدينية في الإسلام)

(1) أقوى الدلائل على أنه لا سلطة دينية في الإسلام كما في النصرانية

تحديد وظيفة الرسول في القرآن بأنه مبلغ لا مسيطر ولا وكيل ولا جبار على

الناس قال تعالى: ﴿إن عليك إلا البلاغ﴾ (الشورى: 48) وقال عز وجل:

﴿ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء﴾ (البقرة: 272) : وقال عز اسمه:

﴿وما أنت عليهم بجبار﴾ (ق: 45) وقال تبارك شأنه: {إنك لا تهدي من

أحببت ولكن الله يهدي من يشاء} (القصص: 56) وقال تعالى جده: {فذكر

إنما أنت مذكر * لست عليهم بمسيطر} (الغاشية: 21-22) وقال جل جلاله:

﴿وما أنت عليهم بوكيل﴾ (الأنعام: 107) فأين هذا كله من ملة يدعي رؤساؤها

أنهم وكلاء الله في الأرض؟ هل يقاس النقيض على النقيض؟ ؟

(2) سيرة النبي عليه السلام فقد سمعت آنفا أنه كان يقيد من نفسه ويرجع

عن رأيه إلى رأي أصحابه، وأعجب من هذا أنه رجح الرأي الموافق لرأيه في

مسألة أسرى بدر وكان الرأي الآخر هو الأصلح فعاتبه الله عتابا شديدا حتى بكى

عليه الصلاة والسلام.

(3) سيرة الخلفاء الراشدين كما سمعت آنفا عن عمر، ويؤثر مثله عن

سائرهم ولم تكن سيرتهم في المساواة وفي تحكيم الأمة بأنفسهم من مزاياهم

الشخصية، وإنما هو شيء أخذوه من القرآن ومن السيرة النبوية كما علمت وإنما

مزيتهم أنهم فهموا الإسلام كله وكانوا أشد من غيرهم غيرة عليه وعملا به.

(4) لو كان الإسلام شرع هذه السلطة المعروفة في الملل السابقة عليه من

البوذيين والبراهمة والإسرائيليين والنصارى أو أجازها لوجد لها في المسلمين

نظام ورؤساء كما وجد عند غيرهم ولكن شيئا من ذلك لم يوجد وإنما وجدت طائفة

تصدت للتربية والإرشاد ثم انقسمت إلى طوائف وجماعات ولم يكن لهم سلطة على

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٤٢٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٤٢٧