تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

نسيت حوادث مهدي السودان، فأمامك حادثة خارجي مراكش الآن.

للعلماء والعقلاء والكتاب والخطباء أن يقولوا في السلطة الدينية النصرانية ما

شاءوا، ولهم أن يسعوا في فصلها وإبعادها عن السلطة المدنية ما استطاعوا، فإنها

سلطة كانت ولا تزال ضارة حيث وجدت وتوجد، وكان معظم ضررها أيام كانت

مقرونة بالسلطة المدنية، لهم أن يسموها سلطة فإن لها في كل مملكة رئيسا عاما

يولي سائر الرؤساء في المملكة، وهؤلاء الذين هم أركان سلطته منبثون في كل

مدينة وفي كل قرية ولا يوجد حكام مدنيون في جميع القرى والمزارع كما يوجد

هؤلاء الحكام الروحانيون، ولهم أن يعادوا هذه الحكومة ويقاوموها، ولهم أن

يضعفوا من شوكتها ويضعفوا من صولتها، ولهم أن يعذروا الأمة الفرنسية إذا

حاولت اصطلام هذه السلطة بالكلية، فالمسلم يعذرهم في كل هذا؛ لأنه من

الإصلاح الذي جاء به الإسلام كما ألمعنا في صدر هذا المقال فمن لم يأخذه من

الإسلام مباشرة فله أن يأخذه من نظام الفطرة إذا هداه العلم إليه، وما الإسلام

إلا دين الفطرة الهادي إلى نظامها وسنن الله فيها.

ومن الظلم البين أن نرمي الإسلام نفسه بتقرير السلطة الدينية المعروفة عند

النصارى، والإسلام هو الذي أبطل كل سلطة يكون بها فريق مسيطرا على روح

فريق وحاكما على حريته في غير ما يحرمه الشرع على كل رئيس ومرؤوس أو

يطالب به كل رئيس مرؤوس، إن الذين اتبعوا سنن من قبلهم وقلدوهم في مثل هذا

الأمر لم يتقنوا التقليد، وكان روح الإسلام مانعا أن يبلغوا منه كل ما أرادوا، ولكن

الإسلام لم يسلم من أعداء يلصقون به كل عيوبهم ويقولون عليه الكذب وهم يعلمون،

نعم إنهم يعلمون أنهم يخلقون عليه إفكا؛ لأنهم اطلعوا على ما كتبنا وكتب بعض

الأئمة في بيان نفي هذه السلطة، ثم يفتؤون يعيبون الإسلام بها ولهم غرض

يرمون إليه وراء تشكيك المسلمين في دينهم وتنفيرهم منه، وقد أشرنا إليه في

مقال مضى ووعدنا ببيان الحق فيه كما بيناه في غير ذلك من شكوكهم وشبهاتهم.

* * *

(شاهد في الموضوع الأول)

صدرنا العدد 22 من منار السنة الأولى بمقالة في (سلطة مشيخة الطريق

الروحية) قلنا أولها: (لقد أتى على الإنسان في طور اجتماعه، ومرت عليه

أجيال وأعصار، وهو مغلول الإرادة ومقيد الجوارح بسلطتين عظيمتين قويتين

للقائمين عليهما النفوذ التام في أفراده، والتصرف المطلق في آحاده، وهما سلطة

الدين وسلطة السياسة - أو كما يقول أهل العصر - السلطة الروحية والسلطة

الزمنية) .

ثم قلنا بعد كلام في حال هاتين السلطتين وتأثيرهما وحال الأمة التي تحكم

بهما ما نصه:

(وبالجملة إن أمة هذا شأنها تكون دائما متقلقلة كقدح الراكب لا تثبت على

حال ولا تستقر على شأن، وجميع ما انتاب الأمم من رفعة وضعة وعلم وجهل

وسعادة وشقاء فقد كان مرجعه إلى تصرف الأمراء والحاكمين، والرؤساء الروحيين،

ولقد كان الشر أغلب على الأمم من الخير والشقاء أشمل لها من السعادة؛ لأن

الرئيس الفاضل الحكيم لا يأمن من العثار، وإذا عثر عثرت معه الأمة وهوت

وقد يهدم الرئيس الجاهل الغوي في مدة قليلة ما بنته الحكماء في الأجيال

الطويلة.

ولهذا كانت سعادة البشر موقوفة في نيلها أو كمالها على تحديد القوانين

والشرائع الروحية والزمنية (المدنية) وجعل الناس فيها شرعا (أي سواء) لا

مزية لرئيس على مرؤوس إلا بما يمتاز به المرؤوسون بعضهم على بعض وبما لا

تقوم الرياسة بدونه كوجوب الطاعة للسلطان ولا طاعة لأحد على أحد فيما وراء

الشريعة والقانون، ولكن لم تأت شريعة سماوية ولم يوضع قانون بشري لهذا

التحديد والمساواة حتى جاءت الديانة الإسلامية فحددت الشريعتين (المدنية

والروحية) معا وجعلت الناس فيهما سواء، لا فضل لأحد على أحد إلا بالعلم

والعمل، واقتلعت جذور الطاعة العمياء وبينت أن الدعوة إلى الحق لا تكون إلا

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٤٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٤٢٦