تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الجملتين بيان القواعد الإسلامية، وإنما قصد بيان فساد نظريات الفلاسفة في الأمور

الإلهية وقد يدفع الفاسد بالفاسد ولذلك قال قبل الجملة الثانية بأسطر (ص45) :

(نحن لم نخص في هذا الكتاب خوض الممهدين، بل خوض الهادمين المعترضين،

ولذلك سمينا الكتاب (تهافت الفلاسفة) لا (تمهيد الحق) فلا يصح أن يؤخذ من هذا

الكتاب مذهبه في العقائد ولا في غيرها كما نبهنا على ذلك في مقالة الأسباب

والمسببات في الجزء التاسع عشر والعشرين، وإنما يؤخذ مذهبه من كتبه في العقائد

والأصول وهو فيها موافق لسائر أئمة السنة من أن العقل أصل الإسلام، وأن

براهينه القطعية لا ترد فإن قيل: قد علمنا أن أئمة المسلمين في العقائد والأصول لم

يختلفوا في أن دين الإسلام هو دين العقل، فهل تعلم أن الفلاسفة الإسلاميين خرجوا

عن هذا الأصل وفصلوا بين العقل والدين؟ فالجواب: كلا، إن الفلاسفة أحرص

على التوفيق بين العقل والشرع من غيرهم، وقد ألف فيلسوف الإسلام أبو الوليد بن

رشد - رحمه الله تعالى - كتابا في هذه المسألة أثبت فيها ما أثبته أهل السنة من

قبله، ذلك الكتاب هو (فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من الاتصال) ففي

هذا الكتاب أثبت أن الشرع الإسلامي أوجب النظر بالعقل وجعله أساسا للعقائد ثم

قال (في ص 8) ما نصه:

(وإذا كانت هذه الشرائع حقا وداعية إلى النظر المؤدي إلى معرفة الحق؛ فإنا

معشر المسلمين نعلم على القطع أنه لا يؤدي النص البرهاني إلى مخالفة ما ورد به

الشرع، فإن الحق لا يبطل الحق، بل يوافقه ويشهد به، وإذ كان هذا هكذا فإن أدى

النظر البرهاني إلى نحو ما من المعرفة بموجود ما فلا يخلو ذلك الموجود أن يكون

قد سكت عنه في الشرع أو ورد به، فإن كان مما سكت عنه فلا تعارض هناك وهو

بمنزلة ما سكت عنه من الأحكام فاستنبطها الفقيه بالقياس الشرعي، وإن كانت

الشريعة نطقت به فلا يخلو ظاهر النطق أن يكون موافقا لما أدى إليه البرهان فيه أو

مخالفا، فإن كان موافقا فلا قول هناك، وإن كان مخالفا طلب هناك تأويله.

ومعنى التأويل هو إخراج دلالة اللفظ من الدلالة الحقيقية إلى الدلالة المجازية

من غير أن يخل في ذلك بعادة لسان العرب في التجوز من تسمية الشيء بشبيهه

أو سببه أو لاحقه أو مقارنه أو غير ذلك من الأشياء التي عهدت في تعريف

أصناف الكلام المجازي، وإذا كان الفقيه يفعل هذا في كثير من الأحكام الشرعية

فكم بالحري أن يفعل ذلك صاحب العلم بالبرهان، فإن الفقيه إنما عنده قياس ظني

والعارف عنده قياس يقيني.

ونحن نقطع قطعا أن كل ما أدى إليه البرهان وخالفه ظاهر الشرع أن

ذلك الظاهر يقبل التأويل على قانون التأويل العربي، وهذه القضية لا يشك فيها

مسلم ولا يرتاب فيها مؤمن، وما أعظم ازدياد اليقين بها عند من زاول هذا المعنى

وجربه، وقصد من الجمع المعقول والمنقول، بل نقول إنه ما من منطوق به في

الشرع مخالف بظاهره لما أدى إليه البرهان إلا إذا اعتبر الشرع وتصفحت سائر

أجزائه وجد في ألفاظ الشرع ما يشهد بظاهره لذلك التأويل أو يقارب أن يشهد،

ولهذا المعنى أجمع المسلمون على أنه ليس يجب أن تحمل ألفاظ الشرع كلها على

ظاهرها ولا أن تخرج كلها عن ظاهرها بالتأويل) اه المراد منه بحروفه.

نقول: الله أكبر، لمع الحق وبهر، وظهر أن علماء المسلمين متكلميهم

وفلاسفتهم ومفسريهم وفقهاءهم لم يختلفوا في أن الإسلام دين العقل، على العقل بني

شرعه، والعقل هو المخاطب به (لا القلب وحده) ، وظهر أن ما قاله ذلك الإمام

في مقالات (الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية) في تعارض الأدلة العقلية

والنقلية، هو المجتمع عليه في الملة الحنيفية، وهذا ما يدعو إليه المنار جهارا،

وكبر على أعداء الإسلام فمكروا مكرا كبارا، ولن يجدوا لهم من دون الله أنصارا.

فإن قيل: إن لابن رشد كلاما آخر في (تهافت التهافت) يشبه أن يكون مخالفا

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٤٠٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٤٠٩