لهذا الأمر بوجه الإطلاق) .
يقول هذا صاحب الجامعة تمهيدا لخلابة المسلمين بأن ما يتحكم هو فيه من
الحكم بتفسير كتاب الله برأيه الأفين مقتبس من الإمام الغزالي الذي حرف قوله عن
موضوعه ولم يفهم مراده منه.
إذا كان الغزالي يضحك من (بساطة) من أخذ معظم علمه في الدين من كتابه
إحياء العلوم اعتقادا وعملا ودرسه من أول نشأته المرة بعد المرة كما درس كل ما
اطلع عليه من كتبه بإمعان وإخلاص - فهل يضحك أو يبكي من (تركيب) جاحد
معاند يلتمس من كلامه كلمة يحرفها عن موضعها ليغش المسلمين بشيء يخالف
دينهم محتجا بكلام إمام من أئمتهم ولا موضع للاحتجاج؟ نترك مثل هذا ونسرد
مذهب الغزالي في الأسباب وسنن الله تعالى ونبين الحق في المسألة التي اشتبه
فهمهما على كثير من الناس حتى صار التشكيك فيها متيسرا لمثل صاحب الجامعة
مع عوام المسلمين الذين لا يزال فيهم من يقرأ ما يكتبه ذهابا مع سماحة الإسلام.
مذهب الغزالي: قال حجة الإسلام في الفصل الثالث من كتاب التوكل ما
نصه: (الأسباب التي يجلب بها النافع على ثلاث درجات: مقطوع به ومظنون ظنا
يوثق به وموهوم وهما لا تثق النفس به ثقة تامة ولا تطمئن إليه، (الدرجة الأولي)
المقطوع به، وذلك مثل الأسباب التي ارتبطت المسببات بها بتقدير الله ومشيئته
ارتباطا مطردا لا يختلف كما أن الطعام إذا كان موضوعا بين يديك وأنت جائع
محتاج ولكنك لست تمد اليد إليه وتقول: أنا متوكل، وشرط التوكل ترك السعي،
ومد اليد إليه سعي وحركة، وكذلك مضغه بالأسنان وابتلاعه بإطباق أعالي الحنك
على أسافله؛ فهذا جنون محض وليس من التوكل في شيء، فإنك إذا انتظرت أن
يخلق الله فيك شبعا دون الخبز أو يخلق في الخبز حركة إليك أو يسخر ملكا
ليمضغه لك ويوصله إلي معدتك فقد جهلت سنة الله تعالى، وكذلك لو لم تزرع
الأرض وطمعت في أن يخلق الله نباتا من غير بذر أو تلد زوجتك من غير وقاع
كما ولدت مريم عليها السلام فكل هذا جنون، وأمثال هذا مما يكثر ولا يمكن
إحصاؤه) اه بحروفه.
وبعد أن قرر أن هذه الدرجة لا يأتي فيها التوكل بترك العمل تكلم عن الدرجة
الثانية وهي ما كان السبب فيها مظنونا وبين أن التوكل لا يأتي فيها أيضا قال ما
نصه: (فإذا التباعد عن الأسباب كلها مراغمة للحكمة وجهل بسنة الله تعالى
والعمل بموجب سنة الله تعالى مع الاتكال على الله عز وجل دون الأسباب لا
يناقض التوكل) .
هذا التفصيل في جانب المنافع وقد أورد مثله في منعها وفي دفع المضرات
التي أسبابها قطعية أو ظنية وبين أن التوكل إنما يكون في ترك الأشياء الوهمية
كالرقية والطيرة والكي التي ورد بها الحديث، ومما صرح فيه بذكر السنة الإلهية
هنا قوله: (وكذلك في الأسباب الدافعة عن المال فلا ينقضي التوكل بإغلاق باب
البيت عند الخروج ولا بأن يعقل البعير؛ لأن هذه أسباب عرفت بسنة الله تعالى إما
قطعا وإما ظنا، ثم أورد الشواهد من الكتاب والسنة وهي مشهورة.
وقال في الكلام على التداوي، وهو من منع المضار (هذه الكلمة الجليلة
ليس من التوكل الخروج عن سنة الله أصلا) وقال أيضا في تداوي النبي صلى الله
عليه وسلم (وإنما لم يترك الدواء جريا على سنة الله تعالى وترخيصا لأمته فيما
تمس إليه حاجاتهم) .
وأظهر من هذا قوله بعد شرح طويل للأسباب: (فبهذا تبين أن مسبب
الأسباب أجرى سنته بربط المسببات بالأسباب إظهارا للحكمة والأدوية أسباب
مسخرة بحكم الله تعالى كسائر الأسباب، فكما أن الخبز دواء الجوع، والماء دواء
العطش فالسكنجبين دواء الصفراء والسقمونيا دواء الإسهال لا يفارقه إلا في أحد
أمرين أحدهما أن معالجة الجوع والعطش بالماء والخبز جلي واضح يدركه كافة
الناس ومعالجة الصفراء بالسكنجبين يدركه بعض الخواص، فمن أدراك ذلك
بالتجربة التحق في حقه بالأول، والثاني أن الدواء يسهل والسكنجبين يسكن