وجد فيهم أفراد ساعدهم الاستعداد الفطري وما يسمونه (الظروف) والوراثة
الطبيعية لسلفهم المصلين على تهذيب نفوسهم فهل استغنوا بهذا التهذيب الذي
امتازوا به على العدد الكثير من أمتهم المريضة عن تكميل نفوسهم بمناجاة الله
تعالى؟ أليس لكل واحد منهم أمراض نفسية لو أقام الصلاة لوجد فيها شفاءها؟ منهم
الهلوع الذي يجزع لكل شر يصيبه حتى كأنه امرأة ضعيفة أو طفل صغير، والذي
إذا أصابه الخير أمسكه عن إعانة الضعيف وإغاثة للهيف، بل الذي لا يخرج منه
الحق الثابت عليه إلا نكدا. وإذا فرضنا أن جهله بحقيقة نفسه وحقيقة الصلاة زين
له عدم حاجته إليها ولو لشكر الله تعالى وحفظ شعار الدين الذي ينتمي إليه فهل
يزين له أيضا أن أهله من زوجة وبنين وبنات في غنى عن هذه الصلاة؟ وإذا لم
يكونوا في غنى عنها، فهل يرى أن إقامتهم إياها من الأمور السهلة إذا كان هو
لا يصلي، أما صلاة فاسدي الأخلاق الذين يتمثل بهم هؤلاء فهي شبيهة بصيامهم
أي إنها محاكاة وتمثيل لهيأة الصلاة الظاهرة.
وجملة القول في جواب هؤلاء أن اعتذارهم بعدم العقوبة على ترك الصلاة
غير سديد وأنهم لم يفهموا معنى العقوبة على تركها، ولو فقهوا تأثيرها في النهي
عن الفحشاء والمنكر لفقهوا معنى كونها رحمة تزكي النفس فتفلح في الدنيا والآخرة.
وكون تركها نقمة تدسي النفس وتسهل لها سبل الفواحش والمنكرات فتسلكها
فتخسر في الدنيا والآخرة. لو تأمل المتأمل المؤمن بالله معناها وما وصفها به
الكتاب العزيز لفقه ذلك ولو علم أنها الآية الكبرى في انقلاب أحوال مسلمي الصدر
الأول وتبدل أخلاقهم وسجاياهم لفقه ذلك، ولو كان عندنا اليوم عدد من مقيمي
الصلاة لاستغنينا عن هذا وذاك في تعليم الجاهل وتنبيه الغافل وإقناع المجادل. هذا
ما يقول لنا أبناء العصر الجديد وما نقول لهم الآن بالإيجاز وإن لنا لعودة نفصل
فيها القول تفصيلا إن شاء الله.
وأما أبناء العصر العتيق فإن لهم من الضلال في فهم الشفاعات والمكفرات
والانتساب إلى أصحاب الأضرحة والمقامات ما يصرفهم عن إقامة الصلاة، ويغل
أيديهم عن أداء الزكاة، فكيف إذا أضافوا إلى ذلك الغرور بالله والتشدق بذكر الرحمة
والمغفرة. وقد كشفنا من قبل جميع هذه الشبهات وأن أكبر آية على ضلالهم في
فهمهما سوء تأثير هذا الفهم فيهم حتى انتهى بهدم أركان الإسلام وترك شعائره فكاد
ينطمس مبناه بعدما جهل معناه؛ ولكن خطباء الفتنة وعلماء السوء هم الذين
يروجون هذه الأضاليل فهم قادة المقلدين، وعونهم على إضاعة الدنيا والدين، وكأنك
بغربانهم تنعق على أعواد المنابر بهذه المكفرات ومنها المكذوب على الله ورسوله
كقولهم: (إن الله يعتق في كل ليلة من رمضان ستمائة ألف عتيق من النار، فإذا كان
آخر ليلة منه أعتق بقدر ما مضى) . وأمثال ذلك، وفي أقوالهم ما تصح روايته ولكن
الفساد في جهل معناه، لذلك نرى أكثر العامة يصومون ولا يصلون ولا يزكون،
ومنهم الذين لا يحلون ولا يحرمون.
الصوم أسهل على النفس من المحافظة على الصلاة ومن إيتاء الزكاة فهو
الرسم الباقي عند أكثر المسلمين فإذا درس (والعياذ بالله تعالى) كان دروسه خطرا
كبيرا على الرابطة الإسلامية؛ لهذا نرى أن الذين يجاهرون بالإفطار في رمضان
من المسلمين الجغرافيين أشد فتكا بالإسلام والمسلمين من كل مخالف يطعن بعقائدهم
أو يستأثر بسياستهم؛ ومن العجيب أن يوجد فيهم من يتشدق بكلمة الوطن أو الأمة،
وأعجب العجب أن بعضهم يذكر الإسلام ويظهر أنه يتمنى عزته ويحاول خدمته.
إذا كان تارك الصلاة إنما يتركها تثاقلا من مقدماتها وشروطها وتكرارها فأنا
أدله على ما يذهب بثقل هذه الأمور كلها ويسهل عليه ما عسره اختلاف الفقهاء،
وإنما يكون ذلك بالرجوع إلى أصل الدين، والعمل بما اتفق عليه جميع المسلمين،
فأما الطهارة فالغرض منها النظافة وهي مما يرغب فيه كل كريم النفس ويتحراه