تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يحكمون على الدين وتأثيره بما يجدون في أنفسهم وما يعرفون من حال معاشريهم

والعائشين معهم يقولون: إن هذه إلا معاني مخترعة، وأسرار مبتدعة، وخواطر

سانحة، وموازين غير راجحة. وعذرهم في ذلك: الحرمان، وعدم تدبر سيرة

الذين سبقونا بالإيمان، ومن ذاق عرف، ومن عرف وصف، ولست واقفا هنا

موقف المناظر، ولم أقصد بهذا القول إقناع المكابر، وقد سبق للمنار القول في

بيان فوائد الصوم النفسية والبدنية والاجتماعية (فليراجع في المجلدين الثاني

والرابع) وكذلك القول في فوائد الصلاة، إنما نريد الآن أن نذكر أمرا غريبا في

التصور ولكنه واقع شائع وهو أن كثيرا من الناس يصومون رمضان ولا يصلون

إلا في رمضان أو لا يصلون مطلقا.

الصوم من آيات الإيمان فلا يجامع الكفر والجحود، ولكن كيف يكون المرء

مؤمنا بدين ثم هو يستبيح ترك أفضل عباداته وآكد فرائضه وأعظم شعائره، وما

هي علة هذا الترك المطلق، والإهمال المستغرق إذا كان الإيمان هو الذي بعث ذلك

الصائم على الصوم، فلماذا لم يدعه دعا إلى الصلاة التي تلي الإيمان في المرتبة؟

أيتصور أن يكون لعلة واحدة معلولات فتوجد ويتخلف عنها أول تلك المعلولات

وأولاها، ثم يوجد أضعفها وأقصاها، هذا موطن من مواطن العجب، ولا بد من

بيان السبب، قد يقال: إذا كان ترك الصلاة لا يجامع الإيمان وترك الصيام لا

يجامع الكفر فلا بد أن يكون من يصوم ولا يصلي في مرتبة بين المؤمن الصادق

والكافر المارق، وهو ما كانوا يدعونه المنافق، فهو مرتاب يصوم لاحتمال صحة

الدين، ولا يصلي لفقد اليقين، ويمكن أن يقال: إن صوم مثل هذا ليس من ثمرات

الإيمان، وإنما هو مجاراة للأهل والجيران، فهو عادة لا عبادة. ولو تركه

المعاشرون والأقران، لما بعث عليه القرآن، ولذلك ترى الذين لا يبالون بالعادات

لقوة عزائمهم في العمل بما يعتقدون قد تركوا الصوم فهم يحاربون الدين جهرا ولا

يحترمون أهله ولا يجاملونهم من حيث هم به مستمسكون. ويصح أن يقال: إن من

تاركي الصلاة المارق، ومنهم المنافق، ومنهم من يتركها لمرض الجهل والكسل لا

لمرض الارتياب أو الجحود. ولذلك يصوم هذا صوما حقيقيا يفيده تقوى الله تعالى

في أمور كثيرة فهو يظمأ ويصدى ولا يشرب في خلوته لعلمه بأن الله تعالى يراه

ولا يرضى له أن يكون ضعيف النفس مغلوبا لشهوة الماء يعصي الله لأجلها. فإن

لم يلاحظ مثل هذا بالتفصيل فلا أقل من الإجمال.

أما الجهل الذي يساعد الكسل على ترك الصلاة فهو ذو شعب كثيرة يوجد

بعضها عند أبناء العصر العتيق. يقول أبناء العصر الجديد: إن الله تعالى لا يعذب

الناس إذا قصروا في عبادته؛ لأن الدين لا يصح أن يكون عقوبة للبشر وإنما

فرضت الصلاة لتعين على تهذيب النفس ونحن قد تهذبت نفوسنا فلا نرضى لأنفسنا

أخلاق هؤلاء المصلين الذين فشا فيهم الكذب والغش والزور والطمع والدناءة. إلخ.

قول اشتبه حقه بباطله ومسلك الجهل فيه دقيق، ولنا أن نقول لهم صدقتم في

قولكم: إن الدين لا يصح أن يكون عقوبة بل هو رحمة من الله تعالى، قال تعالى

لنبيه: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ (الأنبياء: 107) وقال في خطاب

المتكلفين: ﴿ولو شاء الله لأعنتكم﴾ (البقرة: 220) ولكنه لم يشأ فله الحمد

والشكر. وقال جل ثناؤه: ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ (البقرة: 185) وفي معناه قوله عز وجل: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ (الحج: 78) ولكن العقوبة على ترك الصلاة ليست من الحرج وإنما هي من

الرحمة، فإن الصلاة منفعة وترك المنفعة ضار؛ لأنه وقوع في الضد وهي واقعة

في الدنيا ومعقولة فمن الجهل الارتياب فيها، ألا ينظر هؤلاء القائلون في

صنفهم والذين تعلموا وتربوا مثلهم كيف تفتك فيهم الفواحش المنكرات فتذهب بمالهم

وبصحتهم وتكبل بلادهم بالسلاسل والأغلال وتسلمها إلى الأجانب. وإذا

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٣٣٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٣٣٠