بحسب استطاعته، وأما كون التنزه عن القليل من النجاسة والكثير شرطا لصحة
الصلاة فما اختلف فيه السلف الصالح والائمة المجتهدون فليتحر الإنسان التنزه
احتياطا إلا إذا عسر عليه، ولهذا يحتاط لقول بعض الفقهاء حتى يترك الصلاة
احتياطا ولا يعمل بقول من لا يرى الشرطية ويقيم ركن الدين الركين احتياطا؛ بل
إن الذين اشترطوا طهارة الثوب والبدن للصلاة قالوا: إن المشقة تجلب التيسير ولا
حرج في الدين فمن صعب عليه الاحتراز من شيء فله رخصة فيه.
وأما الوضوء فهو أسهل شيء إذا روعيت السنة ونبذت الوسوسة فقد ورد أن
النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم توضأ ولم يقع شيء من ماء وضوئه على
الأرض فيسهل على العارف بالسنة أن يتوضأ من كوب ماء (كوباية) وهو واقف
أو قاعد لا سيما إذا كان يمسح على ما يستر رجله ولو جوربا من قطن أو صوف
فإن ذلك جائز عند كثير من الصحابة والتابعين وعليه الإمام أحمد.
وأما تعدد الصلاة فخير لصاحب الشغل الكثير من الترك أن يأخذ بالحديث
الذي رواه مسلم في صحيحه والشافعي في سننه وغيرهما وهو أن النبي صلى
بالصحابة الظهر والعصر في وقت واحد والمغرب والعشاء في وقت واحد من غير
مرض ولا سفر. وقد أول أكثر الفقهاء الحديث فحمله الشافعية على وقت المطر
والمالكية على تأخير الأولى والتعجيل بالثانية ولكن في بعض رواياته عن ابن عباس
رضي الله تعالى عنهما تعليل ذلك بقوله (لئلا يحرج أمته) . فدل هذا على أن هذا
الجمع رخصة والعزيمة في أداء الصلاة في وقتها أفضل ولكن الرخصة أولى من
الترك كما هو واقع.
كل واحد من هؤلاء المترفين الذين يتثاقلون عن أداء الصلاة يغسل أطرافه عند
القيام من النوم، فإذا جعل ذلك الغسل موافقا للوضوء الشرعي وصلى ركعتين شكرا
لله تعالى وحفظا لأفضل شعار يربطه بأمته وتعليما لمن يعيش معهم للدين بالعلم أو
حملا لهم على التأسي به فأي ثقل عليه؟ ثم إذا فعل مثل ذلك في وقت الظهيرة؛ إذ
يسكن إلى الراحة أو وقت الأصيل إذا شغل وقت الظهيرة، فأي تعب في ذلك وهو
عمل لا يستغرق ربع ساعة؟ وكذلك وقت العشي عندما يستريح من عمل النهار.
أختم القول بتذكير أبناء العصر الجديد بمسألة هم أعرف بتفصيلها من سواهم.
وهي أن الأمم الحية تحافظ على عاداتها القومية وشعائرها الملية وإن كانت تعتقد
أنها وضعية فلا يرضى أهل الرأي منهم بترك شيء من ذلك إلا إذا تبين لهم أنه
ضار ضررا كبيرا لا يشفع فيه حفظ الرابطة العامة بالثبات عليه، ثم إنهم يتروون
في ذلك التروي الواجب، فما بالكم وأنتم تقلدونهم في الزي والحركة في الطريق
(لا في العمل) وفي الماعون والأثاث لا تقلدونهم في الثبات على شعائركم
والمحافظة على روابط جامعتكم؟ تعلمون أنهم ما تركوا شيئا إلا بعد أن استبدلوا به
ما رأوه خيرا منه، فماذا استبدلتم بهذه الشعائر الإسلامية النافعة، والروابط الملية
الجامعة، التي تتركونها بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير؟ ألا إنكم تستبدلون
الذي هو أدنى بالذي هو خير، تحلون عرى جامعتكم التي فيها عزكم وشرفكم في
الدنيا وسعادتكم في الآخرة وأنتم لا تشعرون، فتوبوا إلى الله لعلكم تفلحون.
-----------------
<span class="footnote">
</span></span>
الكاتب: محمد فريد وجدي
-----------------
<span class="footnote">