تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

جمال الدين عن سبب عقم المدارس في الشرق سواء فيها القديمة والحديثة فقال له

السيد: إن سببه فقد الفلسفة الأولى منها إذ هي للعلوم كالسلك للعقد أو القاعدة

للمسائل فإن فقد السلك تبدد العقد، أو عدمت القاعدة تناثرت المسائل.

وأما العلم الطبيعي والرياضي فهما باب الارتزاق وسلم المدنية وعنهما يصدر

كل ما نراه في الأمم المرتقية الآن من الحركة والعمران.

وأما علم الأخلاق فهو طب النفس، ومن العجيب أننا نرى الإنسان إذا أصابه

دمل في جسمه أسرع إلى العلاج والطبيب وفي نفسه عشرون دملا لا يلتفت إليها

وإن أنهكته في الحقيقة آلامها، ولا سبب لهذا إلا فقدان هذا الطب من بين المسلمين

الآن مع نموه عند غيرهم من الأمم وحسبك أنه ألف في مرض الإرادة وحده عندهم

كتب ذات أسفار.

ويجب أن يكون هذا العلم ملكة في النفس كملكة النحو في اللسان حتى تنطبق

أحوال المرء على قواعده بلا تكلف فتصير الفضائل - كالوقوف عند الاعتدال في

الأعمال والحق في الأقوال والاعتماد على النفس ونحو ذلك جميعه - خلقا له

وسجية طبيعية، وأما تدبير المنزل فهو من أهم الأمور الضرورية لسعادة الأمة وذلك

أن المنزل هو المدرسة الأولى، وبعده مدرسة التعليم، ثم مدرسة الدنيا فإن كان عمل

الأولى مضادا للثانية ضاعت النفس بينهما ضياع لب المأمور لآمرين مختلفين.

وأما علم السياسة فهو طب الاجتماع الإنساني وطالما أدى الجهل به إلى شقاء

البشر قال لوبون: إنك لا ترى أحدا لم يقرأ الفلك أو الجبر، ثم يحاول حل مسائل

فلكية أو معضلات جبرية، ولا نرى أحدا كذلك لم يتعلم التشريح ثم يحاول أن

يخيط عرقا مقطوعا مثلا، ولكن نرى كل يوم رجالا لا يفقهون شيئا من علم

السياسة يسوسون الأمم، ويضعون القوانين، ويسنون النواميس غافلين عن الأخطار

والأزمات التي تنجم من عملهم هذا مع أن خطأ الجاهل بالطب يودي بشخص واحد

وهذا الخطأ يودي بأمة. وعلى هذا النحو فقس سائر العلوم والفنون.

أما الدين فليس هو أيضا ما يفهم الناس من أنه مجموع حركات بدنية فقط، أو

لفيف أحاجي لا يصل إليها العقل بل هو العلم بأقسامه إلا أنه أبعد غاية. ومقصده

هو عين المقصد الذي وجد لأجله العلم؛ أي: إرشاد الخلق إلى الحق ثم

هدايتهم بقواعده إلى كل ما فيه السعادة لهم إلا أن الدين يمتاز على العلم بأنه يجمع

السعادتين: سعادة الدنيا والآخرة، وأن العلم يرغب في الفضيلة فقط وهو يقهر

عليها قهرا ويرتب على ذلك ثوابا وعقابا.

ولتقريب فهم المقصود من الدين والانتفاع بما جاء به نفرض على وجه التمثيل

أن الكتاب السماوي الكريم هو كتاب علم وحكمة ونقسمه في ذهننا إلى الأقسام

السابق ذكرها في تقسيم العلم؛ فنجد تحته قسم الإلهيات مفعما بما لا يصل البشر

إلى الإتيان بمثله ولا الوصول إلى مثل تعبيره وتمثيله. قال سبنسر الحكيم في كتاب

المبادئ الأولى: (لنعرف للدين الفضيلة الكبرى بأنه أول ما دل على الله، وأنه لم

يفتأ يعلن ذلك في كل زمان ومكان) . ثم إننا نجد الدين وإن لم يتعرض لقسم

الرياضيات والطبيعات فقد حث عليها في جملة ما حث فيه من النظر في الأكوان،

وكذلك وضع العبادات التي تحيي التوحيد في النفوس.

أما الأخلاق وتدبير المنزل والسياسة المدنية، وما يتبع ذلك من الأحكام فقد بلغ

فيها غاية ليس وراءها مطلع لناظر وكانت عمومياته هي الأصل الذي فرع عليه

الحكماء جميع ما أتوا به في هذه الأبواب. وأما ما يقوله السفهاء من عدم موافقة

بعض أحكام الدين لسير العمران فهو خطأ ووهم إذ نراهم قد قهروا إلى الرجوع إلى

كثير منها بعد أن أنكروها قرونا عديدة.

وإذ قد تبين أن الجهل هو سبب الانحطاط، وأن العلم هو سبب الارتفاع على

الإطلاق فيهما، فلم يبق خلاف في أن سبب انحطاط الأمم الإسلامية هو الجهل.

ولو نظرنا نظرة واحدة في أحوال المسلمين لتبين لنا مقدار ذلك الجهل وآثاره

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٣١٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٣١٦