تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

السيئة فيهم.

قلنا: إن بابي العلم هما الدين والحكمة؛ أما الدين فلو حكمناه في نفوس أكثر

المسلمين الآن وطبقناه على عقائدهم وأخلاقهم وأحكامهم لوجدنا لدى أكثرهم في

محل كل عقيدة قرآنية أو خلق ديني عقيدة أخرى، أو خلقا آخر يكاد يضاد الأول

على خط مستقيم. وإذا كان الأول آلة للعلاء كان الثاني علة للانحطاط، ليس الغاية

من الدين مجرد الانتساب إليه، فإن ذلك لا يهدي إلى خير ولا يدفع عن شر وإنما

العمل والانتفاع بكل ما جاء فيه هو الذي يرقي صاحبه إلى ذرى الكمال

وذلك كالطب، فإنه لا يكفي أن يعتقد الإنسان أنه نافع فيبرأ من مرضه وأوصابه،

وإنما يحصل على ذلك باستعماله والائتمار بأوامره والانتهاء عن نواهيه. ولذلك

حرصت جميع الأديان على تبيان هذه الحقيقة للناس قال تعالى: {إنما المؤمنون

الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله

أولئك هم الصادقون} (الحجرات: 15) وجاء في الإنجيل: (وإنه ليس

الذين يقولون للمسيح يا سيدي يا سيدي يدخلون ملكوت الله، بل الذين يعملون إرادة

الله) ومهما قلبت بصرك لا تجد الدين في الغالب مستعملا فيما وضع له، فهو

عند الخاصة موضوع مناقشات لفظية وصناعة فصاحة كلامية ومجال براعة في

اختراع وجوه، وتأويل مناحي وبعد عن مقاصد. وعند العامة دفتر تعاويذ ورقى

وكتاب ترتيل وكلام يقال لكي لا يفهم حتى قال بعض الأدباء: (فات هؤلاء أن

يفهموه الأحياء فهم يسمعونه الموتى في القبور؛ {أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب

أقفالها} (محمد: 24) .

وأما العلم فحالهم فيه كحالهم في الدين. فهم كل يوم يبعدون عنه ويقربون من

نقيضه، ولهذا تجد الكتاب عندهم كلما كان أقدم كان أنفس وأجود، بخلاف الأمم

الحية فإنه لا يقرأ الكتاب فيها إذا مضى عليه عشرون عاما.

منذ كسرت أقلام المسلمين الأولين نرى العلم واقفا بيننا لا يتحرك، أين

الجماعات المشتغلة بالعلوم الإلهية؟ أين منشئو المذاهب والآراء؟ أين المحامون

عن العقائد؟ أين المؤلفون في الرياضيات؟ أين المخترعون لعلوم لم تكن كالجبر

والكيمياء؟ أين من نقل فلسفة أوربا كما نقل أولئك فلسفة اليونان؟ أين من شرح

كتب كانت وديكارت مثلما شرح ابن رشد كتب أرسطو وابن كمونة كتب أفلاطون؟

أين من جمع علوم الأوائل في سفر شامل كما فعل الفارابي في كتاب التعليم الثاني؟

أين من ألف فوق مائة مؤلف في الطب كابن سينا والرازي؟ أين من سافر لجمع

غريب النبات وتدوينه كما سافر ابن البيطار إلى بلاد الأغارقة؟ أين من جرب في

الحراثة ودون كأبي زكريا الإشبيلي الذي رقت تجاربه زراعة الأندلس؟ أين من

ساح آسيا وأفريقية والجزر واكتشف البقاع ووصف المواطن كالحسن بن محمد

القرطبي المعروف بالأسد الأفريقي، والبيروني، والشريف الإدريسي؟ أين أنواع

العلوم الكثيرة التي يتداولها المسلمون ويؤلفون فيها والتي حسرها صاحب كشف

الظنون في زهاء مائتي علم؟ أين من دون حوادث زمانه يوما يوما، وأخبار قومه

خبرا خبرا باختلاف الروايات وتنوع الأسانيد. أين من وقف على حدود العلوم

وزاد فيها على ما كان عند الأمم؟ أين من طلب العلم للعلم وأراد به أن يعرف

حقيقة يجهلها ولذة عقلية يحصلها؟ أكثر ما عند المسلمين الآن اختلاف في إعراب

البسملة وبيان وجوه الصفة المشبهة وأمثالها وشيء من الفقه يعلمونه ولا يعملون به،

وما عدا ذلك فقشور من العلم في المدارس الحديثة المقصود منها صنع موظفين

للحكومات، أو أجراء لبعض المهن كالطب والحقوق ونحوهما.

هذه مصر وهي في مقدمة بلدان الإسلام عمرانا وحضارة ورفاهية وشارة؛

تسعون في المائة من أهلها أميون ولا يوجد إلا واحدة في المائتين من نسائها تقرأ

الخط. فيكف حال المغرب والتركمان والعجم والسودان؟ حيثما سرت وأين اتجهت

وقعت عينك على أناسي لو جردتهم في الخيال من ألقابهم وأموالهم وحليهم لم يبق في

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٣١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٣١٧