وإنما جاء لهم من أنهم حصلوا من الدين ما ليس منه أو أخطأوه مقاصده ومعناه،
قال شيخ الفلاسفة في هذا الزمان هربرت سبنسر في كتابه (التربية والتعليم) ما
نصه: (العلم عدو الأوهام المتداولة بين الناس باسم الدين ولكنه ليس بعدو للدين
الحق الذي كثيرا ما تحاول هذه الأوهام ستره عن الأبصار. نعم إنه يوجد شيء من
العلم المتداول يظهر عليه مناقضة الدين ومعاداته. ولكن هذا أيضا من قبيل العلم
الذي أكثره وهم، إذ العلم الحقيقي الذي يغوص وراء حقائق الأشياء لا يناقض الدين
كما قدمنا) .
وقال (باقون) إمام الفلسفة الحديثة: (القليل من العلم يبعد من الله، والكثير
منه يقرب منه) وقال (هكسلي) الحكيم الكبير: (الدين والعلم كتوأمين متلاصقين
فصلهما يؤدي إلى موتهما. فإن العلم ينمو متى كان دينيا، والدين يثبت متى كان
علميا. وأهم آثار الفلاسفة أنتجتها أفكارهم بسائق ديني في الحقيقة) .
ولو تتبعنا جميع رؤساء الحكماء وأساطين الفلسفة العقلاء من سقراط وأرسطو
وأفلاطون إلى كانت وديكارت وليبنز وأمثالهم لوجدناهم من أهل الدين إن لم
يتسموا بهذا لأنهم يعتقدون بما جاء به الدين ويتخلفون بالحكمة التي أمر بها أن
تكون. قال (كارليل) الفيلسوف في كتابه (الهيرو) : (قال (جوتي) أكبر
شعراء الجرمان وقد وصف له الإسلام: إن كان هذا هو الإسلام أفلا نكون جميعا
عائشين فيه؟
(ثم قال كارليل) : نعم إن كل واحد منا عنده حظ من الفضيلة والكمال في
الحياة عائش فيه) . اه
ولا فرق مثلا بين قول سقراط: (يجب أن تعرفوا أن إلهكم واحد) وقول
المسيح في الإنجيل: (وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوا أنك أنت وحدك الإله
الحق) وقول الله سبحانه وتعالى: ﴿قل هو الله أحد﴾ (الإخلاص: 1)
وكل ما أدخل على الدين من تحريف الأصول الحقيقية والقواعد العامة التي
فيه فإنما جاء من فساد عرض أو عرام طرأ وهو منه براء. وهذه الأصول العامة
التي هي عمد السعادة كما لا يختلف فيها الدين عن الحكمة لا يتباين فيها دين ودين
بل الأديان فيها سواء. قال الله تعالى {قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى
إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي
النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون} (البقرة: 136) وقال
تعالى: ﴿ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل﴾ (الحج: 78)
إذا توضح ذلك وأنه لا خلاق بين العلم والدين فلنبين هنا ماهية كل منهما ليس
العلم هو هذه الأبواب المحفوظة فقط التي يتسمى محصولها بالعلماء عند المسلمين
الآن بل هو أوسع من ذلك رحابا وأفسح مجالا، هو معرفة حقائق الوجود جميعا.
وينقسم إلى حكمة نظرية وحكمة عملية. وتنقسم الحكمة النظرية إلى ثلاثة أقسام
وهي (قسم العلم الإلهي) وهو ما لا يفتقر في الوجود الخارجي والتعقل إلى المادة،
و (القسم الرياضي) وهو علم بأحوال ما يفتقر إليها في الوجود الخارجي دون
التعقل، و (القسم الطبيعي) وهو علم ما يفتقر إليها في الوجود الخارجي والتعقل.
وتنقسم الحكمة العملية إلى ثلاثة أقسام أيضا: (قسم السياسة) ، وهو علم بمصالح
الأمة ويدخل تحت كل قسم من هذه الأقسام جملة علوم كالرياضي يدخل تحته علم
الحساب والهندسة والجبر والهيئة، وكالطبيعي يدخل تحته الكيمياء والطب والنبات
والحيوان والجغرافية والفلاحة إلى غير ذلك، بل كل واحد من هذه العلوم يدخل تحته
علوم أخرى كالطب يدخل تحته التشريح والجراحة والكحالة وهكذا إلى ما شاء الله.
ولو أحصيت العلوم التي تقوم بها أعمال المجتمع الإنساني الآن لأربت على ألف
علم.
وكل علم من هذه العلوم له وظيفة لا يقوم بها غيره فمثلها في جسم الاجتماع
كمثل الأعضاء في الجسم لا تغني فيه العين عن الأذن ولا اليد عن القدم وهكذا.
فالعلم الإلهي أو الفلسفة الأولى هو أس العلوم في الحقيقة. سأل (رينان) السيد