تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بالنقم. وجبل الإنسان على حب الأثرة لنفسه ولو هلك في ذلك أهل الأرض جميعا.

قال سهل بن هارون البخيل: (ليس لي من مالي إلا ما منعته الناس ولو أمكنهم

لنقضوا بيتي حجرا حجرا) . فوقع بين القوم بسبب ذلك ما يسمى بتنازع الحياة

وهو في الواقع قتال بلا سيوف ورماح، كل يطلب الطيبات لنفسه ويحرص على

نزع ذلك من الآخر بقوة بأسه، معمعة يعيش فيها الجليد ويهلك الرعديد ويحيا

القوي ويموت الضعيف؛ فلهذا احتاج كل واحد أن يكون أقوى من قرنه فتراجعوا

في الأزمان الأولى إلى القوة الجسمية حتى إذا سما العقل واستنبط من الأساليب ما

طمس به قوة فكان له الغلب والفلج على خصمه، وقد يكون هذا التنازع جهريا وهو

معروف في تغلب الأمم بعضها على بعض بقوة الآلات المستنبطة والعدد المبتدعة

وقد يكون خفيا وهو التناظر في سائر وسائل الحياة، فالأمم الحقيقية جيوش

متلاحمة، ومقاتلة متحاملة، قال المتنبي:

إنما أنفس الأنيس سباع ... يتفارسن جهرة واغتيالا

فالجنود تقاتل الجنود، والتجار التجار، والصناع الصناع، والزراع الزراع وهكذا.

وكما أن الجندي إذا غالب الجندي وكان سلاح أحدهما المكسيم وسلاح الآخر

الرمح غلب الأول لا محالة فكذلك الحال في سائر الأنواع الأخرى. وبقدر ما يكون

في جميع طبقات الأمة من سعة العلم يكون غلب مجموعها على غيرها، ولا يمكن أن

ينحط فرد واحد منها إلا أثر ذلك في كونها كما إذا وقفت بعوضة على طرف سفينة

عظمية أثقلتها وأمالتها حقيقة، وإن لم تدرك ذلك مشاعرنا.

ومن هذا يعلم أن جميع أحوال الأمة متوقفة على حالة أشخاصها من الجهل

والعلم، فإن صلحت الأشخاص صلحت الأحوال والعكس بالعكس. وبهذا جاء القرآن

الكريم قال تعالى: ﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾ (الرعد:

11) وقال تعالى: ﴿وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون﴾ (هود

: 117) وقال تعالى: ﴿وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم﴾ (الشورى:

30) وقال جل شأنه: {ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا

ما بأنفسهم} (الأنفال: 53) وقال صلى الله عليه وسلم: (كما تكونوا يولى عليكم)

[12] . وفي معناه قول الحكيم (الأمة تعطى الحكومة التى تستحقها) . وقال فولتير:

(الظلم الواقع على الأمة عقاب لها على جهلها) .

ويعلم مما تقدم أيضا أن الذين يعددون الأسباب الكثيرة في انحطاط الأمم أو

ارتفاعها إنما يذكرون أسبابا ثانوية لعلة أولى: هي علة العلل وهى الجهل أو العلم.

فمن جعل السبب محصورا في الحكومة مثلا قلنا له: إن الحكومة لا تكون إلا على

نسبة استعداد الأمة فلا تلبث أن تتبدل بموت القائم بها أو نحوه فأخرى تفسد كل ما

أتت به الحكومة الأولى. وهكذا من جعل السبب في فشو العقائد الفاسدة في الأمة أو

المبادئ التي تزعم أنها من الدين وليست منه نقول له: إن السبب هو الجهل بالدين

وهلم جرا.

ثم إن العلم له تبعان في الوجود وهما الأنبياء والحكماء أي: الدين والحكمة

فنأخذه من الدين أولا ثم إن أردنا التفصيل في الفروع أخذناه من الحكمة. قال ابن

مسكويه: (إن تحصيل السعادة على الإطلاق يكون بالحكمة، وللحكمة جزآن

نظري وعملي، فبالنظري يمكن تحصيل الآراء الصحيحة، وبالعملي يمكن

تحصيل الهيئة الفاضلة التي تصدر عنها الأفعال الجميلة، وبهذين الأمرين بعث الله

الأنبياء صلوات الله عليهم ليحملوا الناس عليها، وهم أطباء النفوس يعالجونها من

أسقام الجهالة بالأدب الحق لما يأخذونهم به من الآداب الصحيحة والأعمال النافعة

ويطالبونهم بالاستسلام لهم بعد إقامه الحجة عليهم بالمعجزات فمن تبعهم ولزم

محجتهم وقف على الصراط المستقيم. ومن خالفهم تردى في سواء الجحيم. فأما من

أحب أن يعلم صحة ما دعوا إليه بالنظر الصحيح فإنه يجد ذلك من جهة الحكماء) .

ولا يقول قائل: إنه يوجد تباين بين الدين والعلم يتنافيان به، فإن ذلك غير صحيح

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٣١٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٣١٤