تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ممحصا مما عرض عليه من بعض عادات أهله أو محدثاتهم التي ربما تكون جاءتهم

من دين آخر، فإذا أريد أن يحتج بقول أو عمل لاتباع ذلك الدين في بيان بعض

أصوله فليؤخذ في ذلك بقول أو عمل أقرب الناس إلى منشأ الدين، ومن تلقوه على

سذاجته التي ورد بها من صاحب الدين نفسه، وإنني أوجز القول في إيراد الأصول

الأولى التي وردت في الأناجيل المعروفة الآن في أيدي المسيحيين وجاءت في كلام

أئمتهم الأولين. ثم إيراد ما جر إليه الأخذ بتلك الأصول بحكم طبيعة الدين.

* * *

(الأصل الأول للنصرانية الخوارق)

أول أصل قام عليه الدين المسيحي وأقوى عماد له هو خوارق العادات، تقرأ

الأناجيل فلا تجد للمسيح عليه السلام دليلا على صدقه إلا ما كان يصنع من

الخوارق وعددها في الأناجيل يطول شرحه؛ ثم إنه جعل ذلك دليلا على صحة الدين

لمن يأتي بعده فجعل لأصحابه ذلك كما تراه في الإصحاح العاشر من إنجيل متى

وغيره، وإذا تتبعت جميع ما قال الأولون من أهل هذا الدين تجد خوارق العادات من

أظهر الآيات على صحة الاعتقادات، ولا يخفى أن خارق العادة هو الأمر الذي

يصدر مخالفا لشرائع الكون ونواميسه، فإذا ساغ أن يكون ذلك لكل من علا كعبه

في الدين؛ لم يبق عند صاحب الدين ناموس يعرف له حكم مخصوص.

زاد الإنجيل على هذا أن الإيمان ولو كان مثل حبة خردل كاف في خرق

نواميس الكون كما قال في الإصحاح السابع عشر من متى: (فالحق أقول لكم لو

كان لكم إيمان مثل حبة خردل لكنتم تقولون لهذا الجبل انتقل من هنا إلى هناك،

فينتقل ولا يكون شيء غير ممكن لديكم) وفي الحادي عشر من مرقس: (23

لأني الحق أقول لكم: إن من قال لهذا الجبل انتقل وانطرح في البحر، ولا يشك

في قلبه بل يؤمن أن ما يقوله يكون، فمهما قال يكون له 24 لذلك أقول لكم:

كل ما تطلبونه حينما تصلون فآمنوا أن تنالوه فيكون لكم) .

فكل بحث يؤدي إلى أن للكون شرائع ثابتة، وأن للعلل والشرائط أو الأسباب

أو الموانع أحكاما في معلولاتها أو ما شرطت فيه أو ما تسبب عنها أو ما استحال

وجوده لوجودها كان مضادا لهذا الأصل في أي زمن، وقد كان كل علم من علوم

الأكوان لا بد فيه من هذا البحث فكل علم مضاد لهذا الأصل، ثم إن صاحب

الاعتقاد بهذا الأصل لا يحتاج إلى البحث في الأسباب والمسببات؛ لأن اعتقاده في

الشيء أن يكون وإرادته لأن يكون كافيان في حصوله فهو في غنى عن العلم،

والعلم عدو لما يعتقد، فما أصعب احتماله إذا جاء يزاحمه في سلطانه.

* * *

(الأصل الثاني للنصرانية سلطة الرؤساء)

وبعد هذا الأصل أصل آخر وهو السلطة الدينية التي منحت للرءوساء على

المرءوسين في عقائدهم وما تكنه ضمائرهم، وقد أحكم هذه السلطة ما ورد في

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٢٠٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٢٠٣