الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">
الأسئلة والأجوبة
معجزات الأنبياء والاختراعات الجديدة
(س) من محمد أفندي علي في القاهرة: لماذا انحصرت معجزات الرسل
فيما لا فائدة فيه للإنسانية؟ ولماذا لم يجر الله على أيديهم المكتشفات والمخترعات
الحديثة والتي ستحدث حتى ينتفع بها النوع الإنساني، ولا يحرم منها أصحابهم
والتابعون؟
(ج) الفائدة المقصودة من تأييد الرسل بالمعجزات هي إخضاع النفوس
وجذبها للإيمان بهم، وفي الإيمان بهم سعادتا الدنيا والآخرة، وقد كانت المعجزات
عقوبة لقوم معاندين كبعض آيات موسى عليه السلام في مصر، ورحمة لقوم آخرين
كشفاء المرضى، وإحياء الموتى على يد عيسى عليه السلام، وكلا النوعين كان
لحكمة لا بد منها في سياسة البشر، وأما المعجزة العلمية الأدبية كالمعجزة الكبرى
لنبينا عليه السلام فمنفعتها أجل المنافع، وفائدتها أكبر الفوائد وهي باقية إلى ما شاء
الله تعالى (راجع الدرس 29) .
وأما عدم إجراء الاكتشافات والاختراعات العلمية والصناعية على أيديهم؛
فإنها من الأمور الكسبية التي يتوصل إليها البشر بجدهم واجتهادهم في عمران
الأرض، وليس هذا من وظائف الأنبياء كما علم من درس الأمالي السابق، على
أن كل اكتشاف واختراع لا بد أن يكون مسبوقا بمسائل علمية وعملية لا تحصل إلا
بالتدريج كما هي سنة الله تعالى في الخلق، فلو أن نبيا من الأنبياء أخبر قومه
بالتلغراف وشرح لهم كيفية إنشائه لما عقلوه، ولا تيسر لهم أن يصنعوه؛ لأنه
يتوقف على ما لا يخفى من العلوم والأعمال الطبيعية والرياضية والميكانيكية، وإن
قلتم كان ينبغي أن يدعوهم إلى مبادئ هذه العلوم لينتهوا إلى غاياتها، ثم يظهر لهم
الاختراع، أقول كلا إن الواجب أن لا تضيع أوقات الأنبياء في تعليم الناس ما
يمكن أن يصلوا إليه بأنفسهم، بل الواجب هو ما قاموا به من إرشاد الناس إلى ما
بعثوا لأجله من ترقية الأرواح وإيداعها معرفة الله تعالى، وحملها على عبادته وما
يتبع ذلك من تهذيب الأخلاق، فبذلك ترتقي عقولهم ويجتمع شملهم، فيهتدون
بالتدريج إلى العلوم والمعارف، التي يرتقي بها البشر في الدنيا ولو بعد حين.
***
الجهر بالذكر والنوبة عند المتصوفة
(س) محمد أفندي محمود الرافعي في القاهرة: قال بعد ثناء طويل على
المنار في خدمة الإسلام وتنبيه المسلمين: إن مما أخطأ القوم فيه مسألة التصوف
وأهله، قرأت أخيرا جوابا في ذلك للخير الرملي أردت أن يطير به المنار ويمدني
بما يراه من الصواب، وهو:
(سئل عما اعتاده السادة الصوفية رضي الله تعالى عنهم من اجتماعهم
بمواطن الذكر، وجهرهم بأنواعه، وضربهم النوبة ونحوها بقصد التنبيه، فأجاب
الخير الرملي ناقلا بما حاصله: إن الأمور بمقاصدها، والشيء الواحد يتصف
بالحل والحرمة باعتبار ما قصد له، وقد ورد من ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير
منه، كما في البخاري، والذكر في الملأ لا يكون إلا عن جهر ولا يعارضه حديث
(خير الذكر الخفي) لأنه حيث خيف الرياء والأذية وطلب الإسرار والإجهار
يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال، وقوله تعالى: ﴿واذكر ربك في نفسك﴾ (الأعراف: 205) فآيته مكية كآية ﴿ولا تجهر بصلاتك﴾ (الإسراء: 110) .
(ج) إن الذي يتصف بالحل تارة، والحرمة أخرى لاختلاف القصد؛ إنما
هو المباح في نفسه، فالعبادات المشروعة لا تكون حراما، والمعاصي المحظورة
لا تكون حلالا، فإن ساءت النية في العبادة، كأن راءى بها الإنسان، فالرياء هو
الحرام لا العبادة نفسها، وإن قصد الإنسان بالمعصية فائدة له أو للناس فقصده لا
يبيح له المعصية، إلا إذا تعارض ضرران لا بد منهما، فيجب ارتكاب أخفهما،
وقد أكمل الله تعالى لنا الدين، فليس لنا أن نزيد في عبادته، ولا أن ننقص منها لا
كما ولا كيفا، فالاجتماع لذكر الله تعالى ومزجه بالعزف بآلات الطرب كالدفوف
والمزمار والشبابة ونحوها بدعة في الدين، وزيادة عبادة لم يأذن بها الله تعالى، فلا
تباح بحسن القصد، كما لا يباح لنا أن نخترع كيفية لصلاة التطوع بأن نسجد في
كل ركعة ثلاث مرات لأجل زيادة الخشوع مثلا، ولقد عمل الرسول صلى الله عليه
وسلم وأصحابه رضي الله تعالى عنهم بالدين على أكمل وجوهه، فحسبنا ما صح
نقله عنهم، وأما ما ذكره من الجهر بذكر الله تعالى ودليله فهو حسن، والله أعلم.
***
زيادة عدد النصارى على عدد المسلمين
(س) من أحمد أفندي الألفي في أبو كبير (شرقية) : لماذا كانت أمتنا
الإسلامية أقل عددا من الأمة المسيحية، مع كفالة نظام تعدد الزوجات والطلاق
عندنا بكثرة النسل، وأظن أن انتشار المسيحية قبلها لا يكون سببا في قلتها عنها،
فاليهودية قبلهما وعددها لا يذكر في جانب عددهما.
(ج) لا ريب في أن السبب في زيادة عدد النصارى هو انتشار دينهم قبل
الإسلام وليست بالتوالد وحده، فعندما كان المسلمون يعدون على الأنامل كان
النصارى يعدون بالملايين، ولا شك أن الإسلام نما نموا لم يعهد مثله في أمة أخرى
وذلك بكثرة من دخل فيه وبكثرة النسل فقارب عدد النصارى على اتصال الدعوة
عندهم، وانقطاعها عند المسلمين منذ قرون، وأما اليهود فإنهم لا يدعون إلى دينهم؛
لأنه خاص بشعب إسرائيل، ولا يكاثر شعب واحد شعوبا كثيرة.
-----------------
<span class="footnote">
</span></span>