تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

16 رجب - 1319ه

29 أكتوبر - 1901م

الكاتب: محمد أفندي كرد الدمشقي

-----------------

<span class="footnote">

الاستقلال والاتكال

بقلم الكاتب الفاضل محمد أفندي كرد علي الدمشقي

يطالع المستفيد مئات من كتب الفلسفة والأدب وعلوم العمران، فلا يعتم أن

يستقل منها ما يأخذ مأخذه من العقول، ويحدث أثرا في النفوس، ولا عجب فقد

تنصرف وجهة الألوف إلى خدمة العلم وبث الملكات الصحيحة، فإذا فوضل بينهم

ووضعت أعمالهم في ميزان النصفة، وعلى محك الاستبصار يكثر الشائل ويقل

الراجح، والمؤثرون في الأفكار في كل الأعصار والأمصار أندر من الغراب

الأعصم والكبريت الأحمر، على أن كل من بذر بذورا طيبة لا ينفك مثلوجا فؤاده

مهما تأخر نباتها وإيتاؤها لعلمه بأنها ستؤتي أكلها عاجلا أو آجلا إذا لاءمتها طبيعة

المنبت، وأحسنت تعهدها أيدي القائمين عليها.

وقد وقع شيء من هذا - إن صح حدسي - للكتاب الذي ألفه المسيو آدمون

ديمولان الفرنساوي، وعربه أحمد فتحي بك زغلول المصري المسمى (سر تقدم

الإنكليز السكسونيين) فإنه أثر في الفرنسيس أثرا حسنا، وسرى قول مؤلفه في

بلاد الإفرنج منذ نحو خمس سنين، فترجم إلى لغاتهم وتناولته ألسن الناقدين

والمسلمين، وعاد بعض المنشئين يرون رأي صاحبه وينطقون بلسانه ويكتبون

بقلمه، ودل كثير من أهل العلم على مواقع الفساد من تربيتهم، ونقص الاستعداد

من عاداتهم، وأشاروا إلى تخلفهم في حلبة تنازع البقاء عن جيرانهم الألمان

والإنكليز والأميركان تخلفا يخشى معه أن يبتلعهم الجنس السكسوني فيكون مستقبل

العالم له دون سواه.

هكذا يقولون: وغير منكر أن الفرنسيس نفعوا الإنسانية نفعا لا ننكره،

وكفاهم مفاداتهم بأبنائهم مرارا تخفيفا من سلطة الملوك، ورفعا لغشاوة جهالة ظلت

مسدولة على أوربا قرونا جعلتها وراء شعوب الأرض، فخلعت ربقة الاستعباد

وقررت حقوق الإنسان وقواعد الحرية والإخاء والمساواة، ونشرت المعارف في

الأطراف حتى ابتذلت واشترك في الأخذ من بحرها المحيط عامة الطبقات، فأصبح

الحراث الفرنساوي يقرأ ويكتب ويفهم أكثر من بعض من ندعوهم بالمنورين في

بلادنا، وما يأخذه الآن بعض علماء الفرنسيس على أمتهم إن هو إلا من باب

الاستزادة من الفضيلة، والدعوة إلى الكمال، والسبق في ميدان التغلب والسيادة،

نعم إنه ليستنشق من غالب المكتوب رائحة الغرض، ويعترض على بعضهم

مبالغتهم في وصف أعراض الضعف حتى أوشكت الفائدة أن تضيع، وينسب كل ما

يخطونه إلى التشيع والتحزب، ويؤيد ذلك أن ما يكتب صادر من بلاد تأصل فيها

الانشقاق الداخلي، وراجت بضاعة الأحزاب وساد فيها تباين الآراء، فلا يكتب

الملكي أو الكهنوتي إلا ويرمي ببصره إلى القديم يمجده، والتليد يبكيه وينشده، ولا

يجهر الجمهوري إلا ويفاخر بما تم على يديه من ارتقاء ونماء، ولا ينبري

الفوضوي أو العدمي أو الاشتراكي إلا ويستدعي الأمثلة ويستجيش البراهين إعلانا

بدعوته واستتماما لرغبته؛ ولكن فرنسا ما زالت بفضل أساسها القديم أم المدنية

وربيبة الحضارة، وإن تقهقرت في سياستها وأخلاقها فلمرتبتها الميزة على سائر

الشعوب الأوربية خلا السكسونيين؛ ولكن صحة الوطنية التي عرف بها مساعير

أبطالها ومشاهير رجالها جعلتهم اليوم يفرطون في النصح والقدح.

استقلالهم

وبعد فإن الأمم من حيث كيانها قسمان: استقلالية واتكالية، فالأمة الاستقلالية

هي التي طبعت على حب الانفراد، يعتمد كل فرد منها على نفسه لا على حكومة

ولا جمعية ولا حزب ولا عشيرة ولا أسرة.

وإنما رجل الدنيا وواحدها ... من لا يعول في الدنيا على رجل

ومثالها الشعوب الإنكليزية السكسونية.

والأمم الاتكالية هي التي يعتمد أفرادها على مجموعها من الأمة أو الدولة،

فيتوكأ كل فرد على غيره، وأعظم مثال لها الأمم الشرقية حاشا سيدتها الأمة اليابانية

العظيمة؛ فإن التربية الاستقلالية عندها على ما يبلغنا قائمة على أعظم هياكلها،

وأبناؤها أبعد المشارقة عن النشأة الاتكالية.

وبديهي أن العلم وحده لا يكفي في سعادة الشعوب ما لم يقرن بالعمل، وفرنسا

وقعت مع من وقع في مثل ذلك من أمم الخليقة، فزاد فيها التكالب على المصالح

الهينة والوظائف اللينة، فكثر فيها الموظفون والمحامون والأطباء والمهندسون

وأهل الصحافة والأدب بحيث تعذر قبول من تخرجهم المدارس العالية باسمها فسدت

في وجوه الناشئة أبواب الرزق؛ لأن معظمهم يرى السعادة أن يعيش في باريس

ونحوها من المدن الحافلة ليستمتع برفاهها وأنسها، ولو عاش في قل، وزهدوا في

الاشتغال بالصنائع الحرة كالفلاحة والصناعة والتجارة وذلك غير معهود عند من

كان دمه سكسونيا، إذ لا يرى حطة عليه أن يحترف أية حرفة كانت مهما كان

علمه واستعداده ليضمن لنفسه وذويه مرتزقا فسيحا وعيشا استقلاليا لبابا، فإن لم

يجد ما يعمل في بلاده يغادرها ليستعمر مكاننا آخر من الكرة، ويستوي عنده العيش

بلندن أو برلين والعيش في زيلندة الجديدة أو مستعمرة الرأس أو زنجبار، وإن

شئت فقل في أقاصي صحارى أفريقية حيث الوحوش ضارية، والسموم لافح

والعيش مر المذاق.

وتأييدا لذلك أنقل هنا ما صرح به أحد علماء الأخلاق من الفرنسيس بهذا

الشأن قال: (يزعمون أن شهادة العالمية عندنا باب يدخل منه إلى كل سبيل،

وتسلك بحاملها في كل مسلك، وهي على التحقيق لا تفتح إلا ثقبا كبيرا هجم عليه

أصحاب الرغبات من كل صوب، فاستغرقت الحرف الشريفة ووظائف الحكومة

جملة، بحيث وجب على الأمة أن لا تساعد على شر ما برح يتفاقم أمره منذ سبعة

قرون حتى صار جرحا نغارا وضربة مبرحة، وأعني بذاك الشر داء الاستخدام

والتوظف.

لا جرم أن الحركة التي بدأت طلائعها في فرنسا زمن فيليب الجميل أزعج

أمرها على عهد لويس الرابع عشر فزاد الحال إشكالا على إثر عودة الملكية إلى

فرنسا، واستيلاء أسرة بوربون على منصة الحكم، وصار على عهد الجمهورية

الثالثة الحالية أدهى وأمر، فإذا نشأ الأبناء على آسال آبائهم ولم يصلح حالهم

يضيعون مجد أسلافهم، ويخربون مملكة قويت على الحوادث على حين تعدهم

عدتها في شدتها وبيدهم إنقاذها وإسقاطها.

فالجيل الفرنساوي الحاضر سيئ حاله ومآله، وهو إلى الكسل والجبن أميل

منه إلى العمل والنصب، حتى يصح أن يقال إن البلاد به أضاعت من فتائها،

وأمست تسير إلى فلاة فنائها، ومن الأسف أن فرنسا التي كانت على مر العصور

في مقدمة من يحسن الأعمال، وأول مثيرة لكل نجاح هي اليوم من حيث تهذيب

أبنائها متقهقرة عدة قرون إلى الوراء، وكأن تعاليمها الآن هي عينها في القرون

المتوسطة التي تركت ألمانيا وشأنها إلى أن علا صوت جهوري من الشاعر كيتي [1]

يبين للألمان مواقع الضعف، ومزالق المقاتل، ومداحض المخاطر، ويقود الأفكار

إلى الحملة على كسر القيود ونزع ربق الرق وتجديد جدة الشباب، ينادي يا قوم

هؤلاء الإنكليز أمعنوا في حالهم، وانسجوا على منوالهم، فإنكم وإياهم سواء في

القيم، فما ضركم لو باريتموهم في الهمم؟ عملكم قليل ولا تحسنونه وقلما تنهضون

بأعبائه، وليس لكم نصيب مما أوتوا من مميز الواجب الشخصي والكفاءة

الشخصية، وهما دعامتا القوى التي تشتد بها سواعد الملل، ولما كان كيتي يصرح

بهذه الأفكار كانت ألمانيا بعيدة عن معاناة التجارة مقطورة في مؤخر الشعوب، ولم

تمض على ذلك مئة سنة حتى استولى أنصار ذلك الشاعر الكبير والمتعظون بأقواله

على محور التجارة، فهاج نشاطهم قلق الأمة التي حذوا حذوها، وإن الإنكليز

لينظرون اليوم نظر المرتجف إلى انبساط ظل النفوذ الألماني بهذه السرعة والقوة،

ويزعمون أنه لا بد من أن تخلف طوابع البرد الجرمانية الطوابع الإنكليزية قريبا.

كل هذا نتيجة تغير التربية وانتشار المعارف بين الأفراد وكثرة الكفاءات في

كل فروع العمل، فمن العقل والحالة هذه أن يتدرع الفرنسيس بسلاح من العمل

مفيد، ويعتاضوا من الركوب على متن عمياء بالجري في طريق جديد من إتقان

المبادئ الصحيحة والأخلاق الفاضلة.

من رقاعة الفرنسيس أن يعتقدوا علو كعبهم في كل منحى ومنزع، ولو ذهب

أحدهم إلى ألمانيا ودرس أحوالها عن أمم لرأى شعبا كان يشكو مما نشكو منه داء

أصيب به زمنا فشفى نفسه من أوصابه، يرى السكسونية مجسمة بأبهى مظاهرها

فيقدس كارلايل [2] ظهيرها ونصيرها، ويقيس حاله بالإنكليز على أنهم سباق غايات

وأصحاب آيات بينات، ثم إذا قضى من تينك المملكتين لبانته، وعرف بالنسبة

إليهما حالته، يركب البحر المحيط الأتلانتيكي ليتبصر فيما تورثه جدد الفضائل في

هذا القرن الحديث، وينجلي له الفرق بين رغائبه ورغائب الأميركان.

لفرنسا نظارة للمعارف العمومية، ولأميركا مدرسة للتربية، فالأولى تعلم

والثانية تربي، الأولى تلقن أبناءها كلمات يحفظونها والثانية تعلم مبادئ يسيرون

عليها، تعد فرنسا أدمغة لحفظ قانون وتهيئ أميركا أذرعا للعمل، الأميركان رجال

عمل، والفرنسيس ليسوا كذلك، يغرس الأميركان في نفوس ناشئتهم شهامة الإرادة

التي لا تجدي أجمل الهبات الخلقية بدونها، ولا يكون العلم نفسه إلا عطلا من النفع

مع فقدها، وهذا هو القانون الذي سنه لهم فيلسوفهم إميرسون [3] تلميذ هيكل [4]

الألماني القائل في فلسفته: إن الحياة ليست شغلا عقليا، ولا مناقشة ومهاوشة، بل

الحياة إنما هي العمل، ولقد علق في أعلى باب كل مدرسة بأميركا شعار معناه: إن

تهذيب الخلق أسمى غاية للمدرسة، وعلى الشبان أن يحسنوا معرفة الحياة بإرادة

ثابتة) .

ثم توسع الكاتب في بيان نقص تربية أبناء وطنه وعاد يقول:

(يلزمنا رجال مهذبون لا رجال متعلمون، وفي فرنسا طبقتان من المدارس

أولاهما للصغار، وثانيتهما للكبار، وبعبارة أجلى: مدارس الصناع ومدارس

المفكرين، أما حسن التربية الإنكليزية السكسونية ورجحانها على التربية الفرنساوية

فهي قائمة فيما أوتيه البعض من الصفات الشخصية مثل المروءة وحسن الخلق

والحصافة والبداهة والجرأة والإقدام على المشروعات والاكتشاف والافتتاح

والمخاطر، فبدلا من أن تنمي فرنسا في نفوس أبنائها هذه الصفات تغرس فيهم

ملكات حب التآلف والاجتماع، ثبت فيهم التأثر بدل المروءة، وتبث فيهم الخشية

من أقوال الناس، فيشاكل المرء الجمهور بأقواله وأفعاله بدل تنشئتهم على خلق

يبقى فيه الانسان مستقلا بنفسه، وبدل الحصافة التي يتأتى بها للمرء إيجاد الأشياء

بذاته تقوي فيه ملكة الذاكرة التي تعيد عليه ذكر الأشياء التي يحفظها مما عثر عليها

غيره بالتجارب، وعوضا عن البداهة التي يتمكن بها المرء من تطبيق ما أوجده

بنفسه تبث فيه الثقة، فيصبح عرضة لأغراض حكامه، وبدل الجرأة تبث فيه

الحذر وبدل الإقدام على المشروعات والفتوح والاستنفاض - فتح البلاد - تبث فيه

ملكة الاقتصاد والسلم وحب السكن، وبدلا من اقتحام المخاطر تحسن له الرضا

بالاستخدام)

ثم أجمل الكلام هنا على الفلاحين والصناع والتجار والعملة من مجموع الأمة

الفرنساوية، وانتقل إلى الخيار من قومه وعنى بهم العلماء والفلاسفة وأهل البصر

فقال مستندا إلى أقوال العلماء:

(إن دماغ الجنس السكسونى متمدد ومحدود، وذكاءه تحليلي، وجنسه جنس

العمل والكد، وعلى عكسه دماغ الجنس الفرنساوي فإنه موسع وذكاؤه تأليفي، وهو

خيالي يعشق التصورات، وبالجملة يعنى الجنس الأول أبدا بالحقائق على حين

يفضل الثاني الأفكار والخواطر، يجيد السكسوني في الغالب القيام على الأعمال

المادية وبعض الفرنسيس يحرزون قصب السبق في ميادين الذكاء المتسعة الأطراف.

ألا وإن قيمة الجنس السكسوني بمجموعه، وقيمة الجنس الفرنساوي بخياره،

فالإفرنسي المتوسط لا يساوي الإنكليزي المتوسط، والإفرنسي العالي يساوي أكثر

من إنكليزي عال؛ ولكن الخيار من الفرنسيس لا يشغلون المكانة التي يستحقونها

لأنهم مغلوبون للأخلاق الحالية غير مستوفيي شروط النفع ولا تامي أدوات التهذيب.

وأنجح طريقة يجب على فرنسا سلوكها تحسين تربية خيارها، وتربية

أفرادها ومزج الخاصتين السكسونية والإفرنسية، وتطبيق تربية جمهور الإنكليز

علي تربية خيار الفرنسيس ليأتي الغد ولفرنسا من وراء هذه التربية شعب صغير

كالشعب الآثيني يهب لها فاتحين ذوي أفهام، ورجالا صحاح الأحلام، يساوون

الجيوش ويوازون كل عدد وعدة ويخدمون أمتهم خدمة أرخميدس [5] وينقذون وطنهم

إنقاذ تميستوكلس [6] اه

اتكالنا

بمثل هذا اللسان يخاطب الكتاب الفرنساوي أمته ويقرعها تقريعا أمر من

الصاب والعلقم؛ لتستفيق من غشية تخشى مغبتها، وتفلت من الوقوع في مخالب

أسود السكسون لئلا يكون حظها في الوجود حظ الأمم البائدة كالرومان واليونان

والفرس والعرب، وما القصد من إيراد كلامه بنصه إلا ليحصل التمثيل بيننا وبين

أمة نشابهها في الأعراض، وإن كانت أعلى منا جوهرا.

ولعله يخيل لبعض سكان هذه الديار أن الفرنسيس مثلهم في الانحطاط، وأن

لهم بهم قدوة حسنة وأعظم سلوى؛ ولكن شتان بين حالنا وحالهم ورجالنا ورجالهم

وحضارتنا وحضارتهم، أمة تشخص الداء وتفكر في وصف الدواء، أو تشعر

بنقصها وتسعى إلى كمالها، وأمة موقنة بأن داءها عين الصحة لا بأس عليها ولا

خشية من ناحية حياتها، يرضيها نقصها فلا تريد استبدال غيره به، وكل من

محضها النصح رمته بانحلال عقدة الوطنية والمروق من عهود الحمية وصدق

التابعية.

لا جرم أن الرجل الفرنساوي الراغب في الاستخدام لا يشبه الرجل المصري

أو السوري أو العراقي مثلا؛ فإن الأول يستعد ليحسن الاضطلاع بما يوسد إليه من

أمر أمته، ومعظم هؤلاء على نقص في المدارك وانحطاط في الفضيلة يطمحون

إلي السعادة والسيادة بلا سابق معرفة سوى أواصر القربى أو التقرب أو أواخي

المؤاخاة والتزلف أو وشائج الدرهم والدينار.

ولقد أصبح من الرأي المقرر بين الناس أن كل من ليس له علاقة بالحكام

كعضو أصيب بالآكلة لا حيلة فيه إلا بالبتر أو الموت، بيد أنه لا تثريب على

الفقير إذا رشح ابنه لأي خدمة كانت ليرتفع بها من الدنية ما دامت البلاد صفرا من

أصناف المعاش الذي يزعج صاحبه عن العيش الاتكالى، ويورده موارد الاستقلال

بل اللوم كل اللوم على رجل يعد من نواصي أهل وطنه وعليتهم، وله من العقار

والقرى ما يسد عوزه وعوز مئات معه، وهو على ما له من الاعتبار بين جيله

وقبيله يسف إلى الاستخدام في وظيفة ليتباهى بها أمام العدو والصديق.

أعرف رجلا في إحدى مدن سورية الحافلة له عراقة في محتده وأصالة بين

قومه وسعة من دنياه، وتراه مع هذا يصرف نهاره وليله في نيل الزلفى من الأمراء

كبتا لخصومه، فيبذل كل عام في هذا السبيل من الصفراء والبيضاء ما يكفي لإعالة

ألف نسمة من أصحاب البأساء، وكلما طعن في السن يزداد غلوا في مباديه،

وإصرارا على نكاية أعاديه، وهو دائما أجول من قطرب، وأشغل من ذات

النحبين، ومساعيه أبدا مخفقة وآماله مخيبة، وهكذا حال خصمه اللدود له مال

وبنون ومقام بين أهل حيه كريم؛ ولكن لا يهدأ له بال إلا بالجلوس على أرائك

الحكم ومقاعد التصدر يتلمس لبنيه إذنا بملازمة الدواوين مزاحمة لأولاد الفقراء

ليستأثروا بعد بالرواتب دونهم، وينالوا المعالي بنفوذ والدهم عفوا صفوا.

ولو عقلا لاستعاضا عن التلهي بهذه السفاسف بإدارة شؤون مزارعهما الواسعة

وتحسين طرقها، وتنمية غلاتها وثمراتها؛ ولكن هو حب الرئاسة يستلب الألباب

وفي الأمثال (يا حبذا الإمارة ولو على الحجارة) .

ولطالما سمعنا أن فلانا غادر سكنه ومسكنه تاركا دخلا يكفيه وعياله لأن

يعيش عيش الاستقلال فيوكل به من يسرق نصفه لينتظم في سلك الموظفين، ويأخذ

من استخدامه ما يوازي النصف الذي فقده بغيابه ويغتذي من دماء الأمة سحتا بحتا

وحراما محضا ليقال عنه أنه من الموظفين ويخاطب بالفضيلة والسعادة، ثم إذا كثر

سواد أقرانه يقضي حياته قلق الضمير، وربما أنفق كل ما يملكه من تراث آبائه

ليرتقي إلى وظيفة أعلى من وظيفته ويسبق من سبقوه أو هم لاحقوه، وما

الموظفون في الحكومات الاستبدادية براغبين أن يعدوا من ممثليها ليحموا ما يملكونه

من اعتداء المعتدي وتعسف الظالم كما هي دعواهم، بل ليكونوا جلادين في تلك

الدولة ويسوغ لهم إتيان كل منكر أرادوه بلا وازع ولا رادع.

ألا وإن الأمثال لكثيرة على من آثروا العيش الاتكالي ورضوا بالإسفاف إلى

الدنايا كأصحاب الأوقاف ممن يرضون بالكفاف من العيش، ويقنعون بدريهمات

تأتيهم من وراء أجدادهم، أضف إلى زمرتهم من حبسوا أنفسهم في الصوامع

والجوامع مثل المدرس والمؤذن والخطيب ممن يكتفون بالنزر من المشاهرات

يقبضونها ببذل ماء المحيا، ويصرفون لأجلها من الأوقات ما لو صرفوه في بيع

الثرى لأثروا به، ثم يرقبون ما يأتيهم من أجور الطلاق والمناكحات ويتلمظون

بطعام الولائم والوضائم، ويقنعون بتقبيل الأيدي ومصافحة المريدين، وكذلك حال

الرهبان والقسيسين وسائر من يتصرف باسم الدين، وهم فائضون عن الحاجة

فكلهم يتقربون بالفاقة إلى مولاهم، ويستوكفون أكف الصدقات، وينظرون قيم

الصلوات والدعوات، وهذا الخلق مستحكم من المسلمين بحكم التربية أكثر منه

بغيرهم من الطوائف.

إليك شرح الاتكال المجسم الذي شكا منه كبار الفرنسيس، وهو عندنا في

أرقى درجاته، ولا نشكو ولا نتبرم، وأما شكواهم من كثرة المرشحين للحرف

الأدبية فيقابله شكوانا من قلتهم إذا لم نقل من فقدهم، يعوزنا الصحفي العلامة

والطابع الماهر، والطبيب النطاسي، والمحامي الحاذق، والاقتصادي المدرب،

والرياضي المنجذ، والطبيعي المتعقل، والمهندس الفطن، والسائح الثابت،

والممثل الفاضل ممن تبرم بكثرتهم في فرنسا صاحب سر تقدم الإنكليز السكسونيين

ولكننا نحن في غنية عن هذا العدد الدثر من الحاجب والكاتب والمصاحب

والجاسوس والمسجل والرئيس والمرؤس، بل وألوف مؤلفة من أصحاب الرواتب

بلا عمل الذين يأكلون مال الأمة بالباطل، ويعيشون على عاتقها حملا ثقيلا، فلا

هم بوجودهم ينفعونها، ولا هم عن مغرمها غافلون.

أين حال الأغنياء والأعيان المتهافتين على المناصب في بلادنا من أهل تلك

الطبقة في إنكلترا مثلا حيث الحكومة تخطبهم، والشعب يطلبهم، وشتان بين

خاطب ومخطوب.

كتب أحد سراة بريطانيا إلى صديق له يقول: (دع الناس يطلبون الأرزاق

من الدولة، فأنا لا أنحو منحاهم لأنني أقدر أن أكون غنيا بتسامي عن الدنايا، ولا

أرتضي أن أشين خدمتي لوطني بفوائد ذاتية؛ فإني أعمل في بستاني بيدي وأجتزئ

بالقليل من النفقة عن الكثير) .

وهو كما رأيت كلام من يوقن أن الإمارة ليست بمذهب طبيعي للمعاش، بل

كلام من ارتقى وتهذب وعلم علم اليقين أن الحكومات ليست إلا خادمة للأمم، وأن

الشعب في غنية عنها ولا غنى لها عنه، فمتى يكون مثل هذا القول لسان حال

أعيان بلادنا حتى لا يكونوا على أمتهم أضر من العث في الصوف والدودة في

الكرمة؛ ولكن المشارقة انغمسوا في مضال الجهالة منذ قرون حتى أصبحوا

يقدسون حكامهم ومن انتسب إليهم، وغالوا في تعظيمهم إلى أن بلغوا بهم منازل

الألوهية، وأنشأوا يستحلون لهم المحارم ويطلقون عليهم ألقاب الربوبية.

وما برح الناس يبحثون عن داء المجتمع الإنساني، ويصفون له الأدوية وهو

لا يزداد إلا تفشيا، وقد أعضل ما يسميه الغربيون بالمسألة الاجتماعية حتى حار

في طبها رجال العلم والسياسة، وأصبحت شغلا شاغلا لأهل المدارك السامية،

ولذا قال صاحب سر تقدم الإنكليز السكسون: ليست المسألة الاجتماعية عبارة عن

مساعدة الأفراد، كما أن مسألة الحياة لا تقوم بكثرة تناول الأدوية والعقاقير، إذ

ليست المساعدة أو العقاقير من وسائل الحياة الطبيعية، وليست الحكمة إلا ما أدت

إلى الاستغناء عن تلك الوسائل الصناعية، وليس من حل للمسألة الاجتماعية إلا

جعل الأفراد بحيث يستطيع كل فرد منهم أن يقوم بأمر نفسه، وأن يرتقي بجده

وعمله؛ لأن سلامة الاجتماع كالسلامة الأخروية تقوم بكل واحد على حدته، وعلى

كل واحد أن يسعى إليها، وقولي هذا لا يروق في أعين الذين اتخذوا السياسة حرفة

وغيرهم ممن طلبوا رزقهم من انحطاط الأمة وضعف مدارك الطبقات النازلة،

وكانت منفعتهم في بقاء الناس دائما على حالة يشبهون فيها القاصرين حتى يتيسر

لهم أن يكونوا عليهم أوصياء اه.

ونحن لو استشهدنا التاريخ لرأينا أجدادنا كانوا في منازع حياتهم أشبه بالجنس

السكسوني، لا يعرفون مع بسطة الجاه واتساع الثروة والملك إلا النشأة الاستقلالية

بعيدين في كل أطوارهم عن السرف والترف، فقد اشتهر من سيرة الصديق

الأكبر رضي الله عنه أنه كان يغدو كل يوم إلى السوق، فيبيع ويبتاع وكانت له

قطعة غنم تروح عليه، وربما خرج هو بنفسه فيها، وربما رعيت له وكان يحلب

للحي أغنامهم، فلما بويع بالخلافة قالت جارية منهم الآن لا يحلب لنا منائح [7] دارنا

فسمعها، فقال بلى لعمري لأحلبنها لكم، وإني لأرجو أن لا يغير بي ما دخلت فيه

فكان يحلب لهم، ثم قال: ما تصلح أمور الناس مع التجارة وما يصلح إلا التفرغ لهم

والنظر في شأنهم، فترك التجارة - وقيل: أراده الصحابة علي تركها - وأنفق من

مال المسلمين ما يصلحه وعياله يوما بيوم، فكان الذي فرضوا له في كل سنة ستة

آلاف درهم، وقيل فرضوا له ما يكفيه، فلما حضرته الوفاة أوصى أن تباع أرض له

ويصرف ثمنها بدلا مما أخذه من مال المسلمين.

ولما فرض عمر بن الخطاب رضي الله عنه العطاء قال للمسلمين: (إني

كنت امرأ تاجرا، يغني الله عيالي بتجارتي، وقد شغلتموني بأمركم هذا، فما ترون

أنه يحل لي في هذا المال، وعلي ساكت فأكثر القوم، فقال: ما تقول يا علي؟

فقال: ما أصلحك وعيالك بالمعروف ليس لك غيره، فأخذ عمر قوته) وإن لنا في

غير هذين الإمامين من رجال سلفنا الصالح الأسوة الحسنة في فضيلة الاستقلال،

وترك الاتكال، ولنا الأسوة في الأمم الحية لعهدنا التي نرى آثارها باهتين شاخصين،

فالعبر بين أيدينا ومن ورائنا وعن أيماننا وشمائلنا؛ ولكننا لا نعتبر.

-----------------

<span class="footnote">

(1) كيتي goethe أعظم كاتب وشاعر ألماني مات سنة 1872.

(2) كارلايل carLyle كاتب إسكتلندي شهير مات سنة 1881.

(3) إميرسون Emerson فليسوف أميركي مات سنة 1882.

(4) هيكل Hrgel فليسوف ألماني شهير مات سنة 1835.

(5) أرخميدس Archimede أحد مشاهير المهندسين القدماء، ولد في سيراكون إحدى مدائن صقلية حوالي سنة 287 ق م، ومات سنة 212، وحاصر الرومان وطنه، فدافع عنه ثلاث سنين بقوة بنايات حيلية أو ميكانيكية.

(6) تيمستوكلس themistocle قائد أثيني شهير 535- 410 ق م.

(7) منحه الناقة: جعل له وبرها ولبنها وولدها، وهي المنحة والمنيحة.</span></span>

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٤ · الصفحة ٦٠١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٤ · ص ٦٠١