تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الملكوت الأعلى، أو كان من المعارف البشرية التي يتأتى للعقل الإنساني أن يتمتع

بها قال تيرتوليان - وهو أفضل من وصف الاعتقاد المسيحي في نهاية القرن

الثالث قبل أن تعرض عليه البدع الكثيرة -: (إن عقائد المسيحية أسست على

الكتب السماوية، ودليل صحة هذه الكتب قدمها، وكونها أقدم من كتاب أميروس،

وأقدم من أقدم أثر معروف عند الرومانيين، وأقدم من تأسيس الحكومة الرومانية

نفسها، والزمن ناصر الحقيقة، ثم تحقق النبوات التي وردت فيها) ثم قال: (إن

أساس كل علم عندهم هو الكتاب المقدس، وتقاليد الكنيسة، وأن الله لم يقصر

تعليمنا بالوحي على الهداية إلى الدين فقط، بل علمنا بالوحي كل ما أراد أن نعلمه

من الكون؛ فالكتاب المقدس يحتوي من العرفان على المقدار الذي قدر للبشر أن

ينالوه من جميع ما جاء في الكتب السماوية من وصف السماء والأرض وما فيها،

وتاريخ الأمم مما يجب تسليمه مهما ضارب العقل أو خالف شاهد الحس، فعلى

الناس أن يؤمنوا به أولا، ثم يجتهدوا ثانيا في عمل أنفسهم على فهمه؛ أي على

تسليمه أيضا كما ترى، وقال بعض فضلائهم: إنه يمكن أن يؤخذ فن المعادن بأكمله

من الكتاب المقدس.

* * *

(الأصل السادس للنصرانية

التفريق بين المسيحيين وغيرهم حتى الأقربين)

ينظم تلك الأصول كلها أصل سادس وهو آخرها فيما أرى، ذلك الأصل هو

الذي ورد في الصحاح العاشر من إنجيل متى وهو: (34 لا تظنوا أني جئت

لألقي سلاما على الأرض ما جئت لألقي سلاما بل سيفا 35 فإني جئت لأفرق

الإنسان ضد أبيه والابنة ضد أمها والكنة ضد حماتها 36 وأعداء الإنسان أهل بيته)

وقد صرح في عدة مواضع من الإنجيل أن الإخلال بشيء من محبة المسيح أو

بالانقياد إلى جميع ما أوصى به موجب للهلاك، وإن كان قد جاء في مواضع كثيرة

أن الإيمان وحده كاف في الخلاص غير أن روح الشدة التي جاءت في قوله: (لا

تظنوا أني جئت لألقي سلاما إلخ) هي التي بقي أثرها في نفوس الأولين من

المعتقدين بالدين المسيحي وعفت على آثار ما كان يصح أن تستشعره النفوس من

بعض الوصايا الأخر.

* * *

(نتائج هذه الأصول وآثارها)

من هنا أعرض المسيحيون الأولون عن شواغل الكون وصدوا عن سبيل

النظر فيه إظهارا للغنى بالإيمان والعبادة عن كل شيء سواهما، وحجروا على همم

النفوس أن تنهض إلا إلى الدعوة إلى ذلك الإيمان وتلك العبادة ووسائل الدعوة هي

الإيمان والعبادة كذلك، فإذا نزعت العقول إلى علم شيء من العالم وضعوا أمام

نظرها كتب العهد القديم وحصروا العلم بين دفاتها استغناء بالوحي عن كل عمل

للعقل سوى فهمه من عباراته وليس يسوغ لكل ذي عقل فهمه بل إنما يتلقى فهمه

من رؤساء الكنيسة خوفا من الزيغ عن الإيمان السليم (البروتستانت رأوا أنه يجوز

تفسير الكتاب لغير الكنيسة) .

ثم إن إلقاء السيف ووضع التفريق بين الأقارب والأحبة إنما جاء حافظا لذلك

كله فإذا خطر على قلب أحد خاطر سوء يرمي إلى معارضة شيء من أمور الإيمان

المقررة وجب قطع الطريق على ذلك الخاطر، ولم يجز في شأن صاحبه هوادة ولا

مرحمة، كما أفهمه المسيح بعمله على حسب ما ورد في الإنجيل فقد قيل له: 47

(أمك وإخوتك واقفون خارجا طالبين أن يكلموك 48 فأجاب وقال للقائل له: من

هي أمي ومن هم إخوتي 49 ثم مد يده نحو تلاميذه وقال ها أمي وإخوتي) ونحو

ذلك مما يدل على وجوب المقاطعة بين من يعتقد بالدين المسيحي ومن يحيد عن

شيء من معتقده، ولا يخفى أن الشيء يكون بذرة ثم نبتا ثم شجرا فانظر إلى ما صار

أمر هذه البدايات بحكم الطبيعة.

وقر في نفوس المسيحيين أن السلامة في ترك الفكر والأخذ بالتسليم وتقرر

عند القوم قاعدة أن: (الجهالة أم التقوى) (وكثير من أهل الأديان مسيحيين

ومسلمين لا يزالون يجرون على هذه القاعدة ببركة ما ورثوا عن أبناء الزمن الغابر)

فحصروا التعليم في الأديار ومنعت الكنيسة أن ينشر التعليم بين العامة إلا ما كان

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٢٠٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٢٠٥