تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون * هو الذي أرسل رسوله بالهدى

ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون} (الصف: 8-9) .

نشرت الصحف مقالات كثيرة في مسألة ترجمة القرآن , رأيت أقلها وذكر لي

ملخص بعض دون بعض , فعلمت مما قرأت وسمعت أن أكثر ما كتب - إن لم يكن

كله - كان أصحابه بمعزل عن شر البدع التي طرأت في هذه الأيام، ولم يتجرأ

عليها مبتدع آخر منذ ظهر الإسلام، وهو الإتيان بقرآن أعجمي مترجم يستغني به

أهل تلك اللغة عن القرآن العربي المنزل من عند الله تعالى , بحيث لا كسب

للرسول المنزل عليه فيه، ولم يكلف إلا تبليغه كما أنزل إليه بحروفه لا مجرد

معانيه، حتى أنه صلوات الله وسلامه عليه كان يخاف أن يفوته شيء عند تلقيه من

الروح الأمين، فأمنه الله تعالى من ذلك بمثل قوله: من سورة الأعلى 87

﴿سنقرئك فلا تنسى﴾ (الأعلى: 6) , وقوله من سورة القيامة 16: 85-19

{لا تحرك به لسانك لتعجل به * إن علينا جمعه وقرآنه * فإذا قرأناه فاتبع قرآنه *

ثم إن علينا بيانه} (القيامة: 16-19) .

نعم قد ترك هؤلاء الكاتبون كلهم مكافحة شر بدعة ابتدعت في الإسلام،

وأرهفوا أسنة أقلامهم للجدال في أصل مسألة الترجمة التي حدثت منذ أجيال.

فقد ترجم القرآن لغير المسلمين بعض الذين تعلموا اللغة العربية منهم

كالمستشرقين من الإفرنج لغرضين:

(أحدهما) : للعلماء وهو العلم بما فيه لذاته، كدأبهم في البحث عن كل علم

ودين في العالم.

(وثانيهما) : لدعاة الدين (المبشرين) وهو الاستعانة بها على الطعن فيه

وهم متفاوتون في تراجمهم , فمنهم من ضل عن كثير من المعاني حتى الواضحة

ضلالا قريبا في بعض وضلالا بعيدا في بعض آخر، كمن ترجم قوله تعالى:

﴿والعصر * إن الإنسان لفي خسر﴾ (والعصر: 1-2) بأن جميع البشر يكونون

بعد الزوال أو قبل غروب الشمس بزهاء ثلاث ساعات في حال رديئة وخسران! !

ومنهم من سدد وقارب في ترجمته إذ وضح بعض الآيات بتعليق يعترف به

باستحالة الترجمة الحرفية بلغته.

وأما المسلمون من العجم الذين خالفوا سنة أمثالهم من السلف فيما كانوا يتقنون

من دراسة اللغة العربية؛ لأجل فهم الكتاب والسنة، وتعصبوا للغاتهم , واعتمدوا

في فهم النصوص على الترجمة، فكانوا يقرؤون التفاسير العربية حتى الدقيقة

للتعبير منها كتفسير البيضاوي , ويترجمونها بلغاتهم لطلبة العلوم، ومازالوا كذلك،

ومنهم من كتب تفسير الفاتحة وتفسير بعض سور الجزأين الأخيرين بالفارسية؛

لكثرة تلاوتها في الصلوات، فأحبوا أن يفهمها التالون لها، فعل ذلك الشيخ محمد

بن محمود الحافظي البخاري المتوفى سنة 732 ويسمى كتابه هذا (تفسير خواجه

محمد بارسا) , ومنهم من فسر القرآن كله تفسيرا مختصرا كالشيخ حسن بن علي

الكاشفي الواعظ المتوفى في حدود سنة 900 , كتبه بالفارسية وترجمه بالتركية أبو

الفضل محمد بن إدريس البدليسي المتوفى سنة 982 , وهنالك تفاسير أخرى

وحواش على بعض التفاسير المشهورة باللغتين وغيرهما.

وقد طبعت في هذا العصر مصاحف في الهند طبع بين سطورها العربية،

ترجمة حرفية للألفاظ باللغة الأوردية، للاستعانة بها على الفهم الإجمالي، ولم

يترجمه مسلمو الهند بلغتهم ترجمة مستقلة تطبع وتقرأ تعبدا بدلا من القرآن العربي

المنزل من عند الله كما فعل الترك في هذه الأيام.

نعم ترجمه بعض مسلمي الهند من مبتدعة القاديانية في هذه السنين الأخيرة

باللغة الإنكليزية ترجمة يقولون: إنها أصح من جميع التراجم الإنكليزية - وطبعوها

مع القرآن العربي المنزل - لكنهم أدخلوا بدعتهم فيها كما نقل إلينا المطلعون

عليها من المسلمين، ولذلك لم يأذن شيخ الأزهر ورئيس المعاهد الدينية بنشرها

في القطر المصري كما بسطنا ذلك في مقال آخر من المنار، وكان هذا المنع

هو السبب في إثارة الجدال والقيل والقال عندنا، فإن القاديانية في الهند

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٦ · الصفحة ٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٦ · ص ٥