أحوال العالم الإسلامي
اليمن وتهامة
نجد والكويت والريحاني
الحجاز
الترك
لا تزال جزيرة العرب على ما يعلم الناس عنها من شقاق وتقاتل - في اليمن
وتهامة - يغضب الله والمسلمين وجميع العرب الصادقين، ويرضي الأعداء
الطامعين. ولو آثر الإمام والسيد الإدريسي حقن الدماء على سفكها وانصرف كل
منهما إلى الأخذ بوسائل العمران في بلاده لكان كل منهما في منطقته أضعاف أضعاف
ما يطمع به من توسيع حدوده بالبلاد المتنازع عليها، وأهم ما يتنازعون عليه
وأعظمه شأنا عندهما (الحديدة) ويمكن أن يتفقا على جعله ثغرا حرا لكل منهما حق
مساو لحق الآخر في الانتفاع منه بالتجارة وردا وصدرا على أن يحميه كل منهما
بالتعاون مع الآخر ممن يعتدي عليه، وتكون حكومته وطنية مستقلة ينفق عليها من
رسوم المكوس فيها.
وأما نجد فقد ذكرت الجرائد أن سلطانها منح بعض الشركات الإنكليزية امتيازا
كبير الشأن في منطقة الأحساء بزيت البترول وغيره مما يوجد من المعادن، وما
يستلزم ذلك من مد الخطوط الحديدية
....
وأشارت إلى ما في هذا الامتياز من
الضرر على هذه البلاد والخطر على استقلالها. وقد بلغنا عن أمين أفندي الريحاني
الأديب اللبناني المشهور أنه هو الذي أقنع السلطان عبد العزيز بن سعود بمنح هذا
الامتياز للإنكليز وأقنع شيخ الكويت بامتياز مثله، وأنه لم يذهب إلى جزيرة العرب
إلا بنفقة شركة إنكليزية معروفة؛ لأجل إقناع أمرائها بإعطائها أمثال هذه
الامتيازات، فخاب سعيه إلا في نجد والكويت، وكان يظن أن النجاح فيهما أبعد
منه في غيرهما، ولا مندوحة لحكوماتهما إذا لم يتفصيا من إمضائه وإنفاذه أن يعلما
بعض نابتتها لغة القوم وتاريخهم وقوانينهم والقانون الدولي العام والمعاهدات الدولية؛
ليعرفوا كيف يعاملونهم ويتقون بعض مفاسدهم وغوائلهم، فهم بعد تقييد أنفسهم
بإدخال الأجانب في بلادهم لا يستطيعون أن يبقوا بمعزل عن العالم المدني،
والطريق وعر، والمركب صعب، وكان الواجب أن تعد لها عدتها، قبل التقحم في
مهامه مفازتها. وقد كنت نصحت المرحوم الشيخ مبارك الصباح بأن يعلم صغار
أولاده وأحفاده تعليما خاصا فأجابني بأنهم لا يحتاجون إلى العلم! ! ! وأنى لذي
الجهل المركب المطلق أن يشعر بمنفعة العلم؟
ساعد الريحاني على نجاح سياحته في جزيرة العرب ما كان له من حظ
الحظوة بمصر ولا سيما احتفال أحمد زكي باشا به في جوار الأهرام ذلك الاحتفال
الغريب الذي حضره ألوف من الناس، وشغل الصحف المصرية بالنقد
والاستحسان. ذهب بعده الريحاني إلى الحجاز، ويقال: إن ملكه قد أوصى به،
وكان اطلع على ما كتب في الجرائد بشأنه، فعني به وأكرم مثواه، وعرض عليه
أن يحليه بلقب أمير فاعتذر، فأهداه هدايا منها خنجر ذهبي مما يتقلده شرفاء
الحجاز على بطونهم ويسمى (الجنبية) وزوده بكتب توصية إلى إمام اليمن
والسيد الإدريسي وأرسل معه قسطنطين أفندي يني وهو سوري من موظفي
حكومته بجدة فجعلهما وفدا له، بلغنا أن الإمام أكرمهما بضيافته ومجالسه ولكن
جعل حديثه معهما في المسائل الأدبية والشعر ولم ينالا منه شيئا مما زاراه لأجله،
وكذلك السيد الإدريسي رحمه الله تعالى. وقد كان الريحاني طلب مني توصية كتابية
إلى (الحجاز) أمراء الجزيرة، فتنصلت بلطف؛ لأنني كنت مرتابا في الحامل له
على السفر، ورأيت بعض إخواني جازما بأنه يقصد خدمة سياسية للإنكليز.
***
نحمد الله تعالى أن خابت (المعاهدة العربية البريطانية) التي أمر الملك
حسين بجعل يوم إعلانها عيدا للأمة العربية التي يدعي افتياتا عليها أنه ملكها، وأن
جعلنا من المجاهدين في سبيل خيبتها، ودفع ما فيها من الخزي والخطر على بلاد
الحرمين الشريفين وعلي ثالثهما وهو المسجد الأقصى، وقد ظهر للعالم كله بطلان
دعوى الملك حسين أن المادة الثانية من المعاهدة نص صريح في استقلال فلسطين