تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المطبوعات الحديثة

(كتاب حاضر العالم الإسلامي)

لو كان المسلمون يعنون بمعرفة شئون أنفسهم، ويبحثون عن أسباب تغييرهم

لما كان بأنفسهم من عقائد وفضائل ومعارف، وما أعقبها من تغيير الله تعالى

ما كان بهم من نعم السيادة والسلطان والعزة والقوة كما يعنى بذلك علماء

الإفرنج - لما وصلوا إلى هذه الدركة من الضعف والهوان.

قد أتى على الشعوب الإسلامية قرون متتابعة وهم يتدهورون من قنة إلى هوة،

كما تتدهور الجلاميد من شماريخ الذرى، لا ندري من حطها من عل إلى أسفل،

وتتحول من عزة إلى ذلة، ولا تعلم لم تتحول.

﴿ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب﴾ (آل عمران: 179) فقد قيض بفضله للمسلمين من يوقظهم من سباتهم، ويرشدهم

إلى تغيير ما بأنفسهم الآن من أسباب التردي على علم وبصيرة، كما غيروا من

قبل ما كان بأنفسهم من أسباب الترقي عن جهل وغفلة، ولكن طرأت عليهم في

أثناء هذا الإيقاظ فتنة التفرنج فلبستهم شيعا، وفرقتهم طرائق قددا، فقد أفسد ساسة

الإفرنج وملاحدتهم جبلا كثيرا من أبناء المسلمين، كانوا أضر عليهم من سائر

أعدائهم في الدنيا والدين، فهم يضلون المسلمين ويخدعونهم عن دينهم ودنياهم، من

حيث يوجد في أحرار الإفرنج من يرشد المسلمين إلى ما فيه صلاحهم وفلاحهم،

بما يعنون به من تمحيص الحقائق في شؤونهم لذاتها، أو ليستفيد أقوامهم منها.

أمامنا الآن ونحن نكتب هذا كتابان يشغلان مسلمي مصر وسيشغلان سائر

البلاد الإسلامية التي يصلان إليها.

(أحدهما) كتاب (الإسلام وأصول الحكم) الذي رأى القراء في الجزء

الماضي ويرون في هذا الجزء شيئا من بيان مفاسده، وأنه لرجل متخرج في

الجامع الأزهر وقاض شرعي في بعض المحاكم المصرية، هو أضر على

المسلمين من كل عدو.

(والثاني) كتاب (حاضر العالم الإسلامي) وهو لعالم إفرنجي هو أنفع

للمسلمين من كثير من أفرادهم الناصحين، دع متفرنجتهم الملاحدة المفرقين، ألا

وهو العلامة البحاثة (مستر لوثروب ستودارد) الأمريكي الذي زاد به شهرة على

شهرته، ألفه بلغته الإنكليزية وسماه (العالم الإسلامي الجديد) فراج في أمريكة

وأوربة رواجا عظيما، وطبع مرارا متعددة، ونقل إلى أشهر اللغات الغربية

والشرقية، وقرظه كبار الكتاب، وأعجبوا بدقة بحثه وسعة اطلاع صاحبه.

ونقله إلى لغتنا العربية عجاج أفندي نويهض أحد أبنائها البررة المجيدين لها

وللغة الإنكليزية؛ ليطلع هذه الأمة على أصح ما كتب في وصف حالها، أدق من

عرف من علماء الفرنجة بحثا عنها، وأعد لهم حكما لها وعليها، وأصدقهم قولا

فيها، وذكر أن المحققين من العلماء الغربيين شهدوا له بهذه الصفات عند تقريظ

كتابه هذا.

ترجم الكتاب وعرض ترجمته على كاتب العصر - كما قال بحق - الأمير

شكيب أرسلان الشهير، وطلب منه أن يكتب له مقدمة تليف به ففعل، بل أجاب

السائل بأكثر مما سأل، وله في ذلك أسوة حسنة [1] ولكنه أربى في الكرم، فوضع

على الكتاب حواشي وذيولا يصح في وصفها قول العرب: على التمرة مثلها زبدا،

بل تربي على صحائف الأصل عدا، ولعلها مدت مادته بضعفيها مدا، فهي بطولها

واستطرادتها تضاهي الحواشي الأزهرية، ولا غرو فروح الأمير العلمية والأدبية،

أغلب عليه من روحه الاقتصادية والاجتماعية، فإنه لو جعل هذه الحواشي كتابا

مستقلا لكان أليق بمقامه وأجدر بإفادتها من جعله إياها تابعة لغيرها، ولكان له

منها ربح مالي يزيد على ربح الكتاب الأصلي، بل ربما زاد عليه موشى وموشحا

بها أيضا، فإن أكثرها موضوعات مستقلة بنفسها، وما فيها من إيضاح لبعض

غوامض الكتاب أو استدراك عليه هو أقلها، ولكنه على ما يظهر من معرفته لقدر

نفسه، وعلى ما يقول بعض حساده أو مكبري فضله من إعجابه بها، كثيرا ما

يهضمها، ويضعها تواضعه دون ما رفع الله من قدرها، ومن ذلك ظنه أن جعل

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٦ · الصفحة ٩١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٦ · ص ٩١