…
كذلك خلقت إنكلترة في العراق أقلية نصرانية من بقايا الآشوريين، وسلحتهم
وأطمعتهم بتأسيس ملك لهم في العراق؛ لتجعلهم أعداء وخصوما للمسلمين من
العرب والكرد لا للترك وحدهم، فإذا رسخ فيهم تغرير هذه السياسة الخادعة فربما
تكون عاقبتهم شرا من عاقبة الأرمن؛ لأنهم أقل منهم عددا وبأسا وذكاء وعلما،
فخير لهم أن يكونوا كقبط مصر مع مسلميها من أن يكونوا كالأرمن مع الترك،
وأنى لهم ذكاء القبط وعلمهم بدسائس أوربة التي تتجر بالمسيحية والمسيحيين.
وأما فرنسة فإن سياستها في كاثوليك سورية معروفة والمعروف لا يعرف،
وقد كان أول قائد من قوادها ولته أمر سورية بعد الحرب - وهو الجنرال غورو -
قد ذكر السوريين في أول صوت رفعه فيهم بأنه من سلالة الصليبيين، وكان أول
عمله تقسيم البلاد إلى ممالك دينية مذهبية، وقد جرى على ذلك وتابعه من جاء بعده:
دولة مسيحية، ودولة إسلامية، ودولة درزية، ودولة علوية، كل ذلك في القسم
الشمالي من سورية التي هي وطن واحد يسكنه شعب متحد اللغة والعادات والمرافق،
لا يمكن أن تستغني فيه دويلة من هذه الدويلات الصغيرة الحقيرة عن الأخرى،
وهم يبذلون كل ما أوتوا من دهاء ومن سلطان لإيقاع الشقاق بين طوائف هذه
الدويلات، فإذا تقرب إليهم فرد أو أفراد من أهلها بكلمة نفاق تؤذن بحب الافتراق
وكراهة الاتحاد، ترتفع بنقلها أصواتهم، وتهتف بها صحفهم وبرقياتهم، حتى تعم
الخافقين، وأما أصوات الأحزاب والجماعات والصحف التي تعبر عن الرأي العام
في طلب الاتحاد الوطني، وكراهة الاقتراق الديني والطائفي والسياسي، فكلما
سمعوا منها صوتا أسكتوه، وإذا وصل شيء منه إلى أوربة كذبوه.
إن يسمعوا الخير أخفوه وإن سمعوا ... شرا أذاعوا وإن لم يسمعوا كذبوا
إن أهالي سورية غير مرتاحين ولا راضين بإسكان طرداء الأرمن في سورية؛
لأنهم يزاحمونهم في رزقها الذي لم يعد يكفيهم ببركة عمران الانتداب، وإن
المسلمين يسيئون الظن في هذا الإسكان وما في معناه بنظر آخر، إذا كان
الفرنسيس لا يبالون بهم فيه لضعفهم، ولا يحسبون حسابا لعطف أبناء جنسهم
وإخوان دينهم عليهم لجهلهم؛ فلا ينبغي أن يغفلوا عن كونه قد يكون سببا من
أسباب التهمة التي يشكون منها، ولا يدرون أنهم يشكون مما يفعلون.
فيا ليت شعري كيف يغفل الفرنسيس والإنكليز - الذين يهتدون في سياستهم
واستعمارهم بفلسفة التاريخ وعلوم النفس والاجتماع - عن نتائج أعمالهم في اللهج
بالجامعة المسيحية ووجوب حماية المسيحيين وتأسيس الممالك لهم، مع ذم الجامعة
الإسلامية والطعن فيها؟ وكيف يقاومون جامعة الجنسية العربية ويخشون عاقبتها
في سورية ثم يمنعون السوريين من النهوض بالجامعة الوطنية؟ أيحسبون أن
مسلمي سورية وهم الأكثرية العظمى فيها يرضون أن تسلبهم فرنسة كل حق من
حقوق الحياة الاجتماعية والسياسية وطنية كانت أو جنسية أو دينية، وأن يعدوها
مع ذلك مصلحة لشؤونهم فيخضعوا لها طوعا، ويطرونها مدحا، ويسبحون بحمدها
بكرة وأصيلا؟ وأن يرضى أبناء جنسهم وإخوانهم مسلمو أفريقية وآسية منها بذلك،
ويعدون دعوة الجامعة الإسلامية عبثا لا حاجة إليه؛ لأن جميع الشعوب الإسلامية
في غنى عنها بعدل المسيطرين عليها وإنصافهم، بما ادعته فرنسة من صداقتها
وحبها للمسلمين عند إظهارها الرضا والارتياح لتعيين خليفة تركي تنحصر سلطته
فيما لا يفهمه من أمور الدين؟
إن دهاقين السياسة الاستعمارية هم الذين علموا الشرقيين ما كانوا يجهلون من
واجبات فطرتهم وحقوق أممهم ومللهم وأوطانهم الجامعة، فعلموا بعد جهل إذ كانوا
قد فقدوا العلم، ولكنهم لم يعملوا بعلمهم هذا إذ كانوا قد فقدوا الهمة والعزيمة الرافعة
إلى العمل؛ فهم الآن يسوقونهم إلى العمل سوقا، بل يدعونهم إليه دعا، كما فعل
الترك بتعليم العرب العصبية العربية، ثم دفعوهم إلى النهوض بها وهم يشعرون،