شعبان - 1344ه
مارس - 1926م
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">
الاستخفاف بآيات الله وما عظم الله أمره
ودعوى رؤية النبي صلى الله عليه وسلم في اليقظة
(38 و 39) من صاحب الإمضاء في الجزائر.
ما قولكم في كاتب يكتب في الجرائد تحت عنوان (النفخ في الصور)
والإمضاء (إسرافيل) هل ينطبق عليه ما ذكر الشيخ (القاضي) عياض في كتاب
الشفاء في مفتتح فصل من فصول آخر الكتاب ولفظه:
(وأما من تكلم من سقط القول وسخف اللفظ ممن لم يضبط كلامه وأهمل
لسانه بما يقتضي الاستخفاف بعظمة ربه وجلالة مولاه، أو تمثل في بعض الأشياء
ببعض ما عظم الله من ملكوته ... إلى أن قال: وهذا كفر لا مرية فيه) اه.
قلت: أليس التمثيل بالنفخ في الصور وإمضاء إسرافيل - عليه السلام -
بعض ما عظم الله من ملكوته؟ أفيدوا الجواب، ولكم الأجر والثواب، من منزل
الكتاب، الذي جعله الله حكما بين العباد إلى يوم المآب.
ثم نذكر لكم سخافة وحديث خرافة ذكرها الشيخ عليش في فتاويه في باب
الأصول من كتابه ذلك فقال: إن الشعراني نقل عن علي الخواص أن الأئمة
المجتهدين لا يثبتون حكما إلا إذا شاوروا النبي صلى الله عليه وسلم يقظة ومشافهة،
وأنهم معصومون من الخطأ، إلى غير ذلك مما لا يقبله الشرع ولا العقل، وأن
السيوطي ذكر عن نفسه كما في ورقة بخطه أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم
خمسا وسبعين مرة يقظة، حسبما تقفون على ذلك في كتابه المومأ إليه في باب
الأصول.
ثم إنا لما أنكرنا ذلك وكتبنا فيه نقدا في بعض الجرائد هنا قام بعض من يزعم
أنه على علم ما، فأنكر علينا إنكارنا على من يدعي رؤية النبي صلى الله عليه
وسلم يقظة بعد وفاته بثمانمائة سنة، إلى غير ذلك مما تقفون عليه من المدهشات
بل المخزيات.
والآن نطلب منكم عملا بالأصول وقواعدها وانتصارا لطريقتنا الإصلاحية
السلفية أن تشيروا إلى ذلك في عدد من أعداد المنار المقبلة، وذلك يكون خدمة للعلم
والفقه الصحيح إذ لا تتقرر الأحكام الشرعية بما ذكر.
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... (الزواوي)
(جواب المنار)
إننا لم نطلع على شيء مما كتب في بعض جرائد الجزائر بالعنوان والإمضاء
المذكورين، فنعلم هل هو صريح فيما أراده القاضي عياض رحمه الله من
الاستخفاف أو الاستهزاء بالله أو بآياته، أو بما عظم أمره من ملكوته بما يدل على
ذلك دلالة واضحة، وهو قد ناط الحكم بالكفر بقصد الكفر والاستخفاف، أو
بالتكرار الدال على ذلك، فإن نص عبارته فيما جزم بأنه كفر (فإن تكرر هذا منه
وعرف به دل على تلاعبه بدينه، واستخفافه بحرمة ربه، وجهله بعظيم عزته
وكبريائه، وهذا كفر لا مرية فيه، وكذلك إن كان ما أورده يوجب الاستخفاف
والنقص لربه) اه.
والمدار في الحكم بالكفر في أمثال هذه الأقوال على دلالتها القطعية على
الاستخفاف والاستهزاء الذي لا يصدر من مؤمن عادة أو قصده ذلك، فإذا كان
الناس يفهمون من عبارات ذلك الكاتب الاستهزاء بالقيامة وملك الصور استهزاء من
لا يؤمن بهما فلهم أن لا يعاملوه معاملة المؤمنين، ولكن بعد أن ينصحوا له برفق
بأن يرجع عن ذلك ويتوب إلى الله منه، وأن يقبلوا قوله إذا قال أنه لا يقصد به
ما فهموه من الدلالة على الاستخفاف أو الاستهزاء، ويحتجوا عليه بأن فهمهم ذلك
منه كاف في وجوب تركه، وإن كان الناس لا يفهمون هذا مما يكتبه بل يفهمون أنه
يقصد الوعظ، وبأسلوب مؤثر ينبه الأذهان فلا وجه للقول بكفره مطلقا، وهنالك
صورة ثالثة وهي أن تختلف أفهام الناس فيما ذكر، وحينئذ يتجه أن يكون ما يكتبه
معصية لا كفرا، والغالب على ظني أنه لا يقصد الكفر، ولا يعتقد أن ما يكتبه
محظور شرعا، ولكن يجب عليه والحالة هذه أن يراعي ما يفهم الناس من كلامه،
ولا يقف موقف التهمة عند من يستنكر ذلك، وأرجو أن يترك ذلك إذا بلغه هذا