تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ماضي الأزهر

وحاضره ومستقبله

(3)

ذكرنا في المقالة الثانية جملة مطالب الأزهريين التي نظرت فيها لجنة

الحكومة , وما قبلته وأقرته وصدر أمر الوزارة بتنفيذه , وكان طلبة الأزهر قد

طبعوا مذكرة تفسيرية لمطالبهم الخاصة ورفعوها إلى البلاط الملكي والوزارة ,

ووزعوا منها نسخا على من يرجون عطفهم ومساعدتهم من أصحاب الشأن , فرأينا

نشر تفسيرهم لمطالبهم استقصاء للمهم من تاريخ هذا الطور الجديد للأزهر ,

وتمهيدا لما سنبينه من رأينا فيه , وهذا نصها بعد تمهيد وجيز جعلوه مقدمة لها:

(المطلب الأول) : (حسبان الأزهر جامعة كبرى تتكون عناصرها من

الأزهر والمعاهد الدينية الحالية ومدارس القضاء الشرعي ودار العلوم والمعلمين

الأولية , بشرط أن تكون هذه المدارس كلها تابعة للأزهر تبعية فعلية حتى يتوصل

بذلك إلى توحيد جهات التعليم الخاص بالشريعة واللغة العربية) .

هذا هو المطلب الأساسي الذي لا يمكن أن ينال الأزهر غايته من الإصلاح

والكرامة بدونه، على أنه في الواقع من أساليب الإصلاح الأولية القاضية بعدم

التجزئة في المعاهد التي يتحد فيها نوع التعليم وجوهره , وهذه المدارس في الحقيقة

أجزاء للأزهر وأعضاء فصلت منه , ولا يمكننا أن نفهم انعزالها عنه مع ما بينها

وبينه من الصلة الظاهرة في اتحاد الغرض وتساوي برامج التعليم أو تقاربها , بل

وفي زي الطلبة أيضا , ولم يشاهد الناس فيما شهدوا أن تقطع الصلة في المعاهد

التي من هذا النوع، ويفرق بينها هذا التفريق الكبير، إلا في مصر.

إن الحقيقة المرة نجهر بها الآن وهي أن الغرض الواضح من وجود المدارس

المشار إليها على نظامها المعروف هو أن يترك الأزهر وشأنه مهملا منسيا , يشقى

طلابه وخريجوه ولا يؤدي وظيفته في المجتمع إلا بالمقدار اليسير الذي نراه في

الوقت الذي نخص فيه هذه المدارس بالعناية والرعاية , حتى يعد خريجوها لأقصى

درجات النفع والانتفاع.

وهذه هي الفكرة الخطرة على الأزهر , فقد كان لها أسوأ النتائج في عرقلة

سيره ووقوفه دون الغاية التي أداها للإنسانية في أزمنة متطاولة , وإذا كان مثار

التفكير في إيجاد هذه المدارس ما كان يشاع من تعسر الإصلاح في الأزهر، فلا

عذر اليوم وقد تطور الزمن وأصبح الأزهر نفسه ينادي بالإصلاح غير آنف من كل

عمل يكسبه صبغة عصرية صالحة ما دامت لا تتنافى مع صفته الدينية , فالواجب

إذن أن يقابل نداؤه بالترحاب , وأن يعدل عن عزل هذه المدارس التي اقتضت

الضرورة عزلها كما يقولون , ويكون من الجميع جامعة شرقية سامية , تقدم للبلاد

الإسلامية عامة ومصر خاصة ما كان يؤديه الأزهر في زمنه الغابر من ثمرات

ناضجة في العلوم والآداب , أما بقاء الحال على ما هو عليه اليوم فلا معنى له غير

القضاء على الأزهر وتقويض ما بقي من أثره , في حين أن هذه المدارس تتسع

وتنمو بما يسدى إليها من ضروب الرعاية والعطف , وهذا ولا ريب مناف للعدالة ,

موجب للتنافر والشقاق بين أبناء الطائفة الواحدة، وهو فوق ذلك تدبير خطر

بالنسبة إلى المصلحة العلمية العامة، فإن الأزهر قوة كبيرة إذا عني بها جنت الأمة

منها أوفر الثمرات وأنضجها , ولا سيما في الظروف المقبلة التي يتحتم فيها تعميم

التعليم بين أفراد الشعب، ولقد بدت مخاطر العزلة التي يشقى بها الأزهر فعلا في

أزمة المعلمين التي تعالجها البلاد في العهد الأخير , فليس من الحزم أن يستفحل

الداء والدواء قريب.

لسنا نريد أن نلغي هذه المدارس كما يدعي بعض المغرضين [1] ولكن مطلبنا

واضح جلي , وهو كما قلناه: إدماجها في الأزهر مع إدخال الإصلاح على برامجه

متى كانت الحالة تقضي بذلك , وهذا مطلب لا غبار عليه ولا يمكن أن ينازع فيه

من يريد الإصلاح , وبودنا أن يفطن إلى ذلك كل مفكر؛ ليعتقد أن الأزهر يريد

الخير لمحض الخير، ولهذا فليعمل العاملون.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٦ · الصفحة ٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٦ · ص ٢٨