تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إبطال وحدة الوجود

والرد على القائلين بها

لشيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية

رضي الله عنه

وأما قول القائل: التوحيد لا لسان له والألسنة كلها لسانه - فهذا أيضا من

قول أهل الوحدة , وهو مع كفره قول متناقض , فإنه قد يعلم بالاضطرار من دين

الإسلام أن لسان الشرك لا يكون له لسان التوحيد , وأن أقوال المشركين الذين قالوا:

﴿لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا﴾ (نوح:

23) والذين قالوا: ﴿ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾ (الزمر: 3)

والذين قالوا: {وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين * إن نقول

إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء} (هود: 53-54) , والذين قالوا: {حرقوه

وانصروا آلهتكم} (الأنبياء: 68) ونحو هؤلاء لسان هذا هو لسان التوحيد.

وأما تناقض هذا القول على أصلهم فإن الوجود إن كان أحدا كان إثبات العدد

تناقضا , فإذا قال القائل: الوجود واحد وقال الآخر: ليس بواحد بل يتعدد، كان

هذان قولين متناقضين , فيمتنع أن يكون أحدهما هو الآخر , وإذا قال قائل: الألسنة

كلها لسانه , فقد صرح بالتعدد في قوله: الألسنة كلها , وذلك يقتضي أن لا يكون

هذا اللسان هو هذا اللسان فثبت التعدد وبطلت الوحدة , وكل كلام لهؤلاء ولغيرهم

فإنه ينقض قولهم، فإنهم مضطرون إلى إثبات التعدد.

فإن قالوا: الوجود واحد بمعنى أن الموجودات اشتركت في مسمى الوجود

فهذا صحيح , لكن الموجودات المشتركات في مسمى الواحد لا يكون وجود هذا

عين وجود هذا , بل هذا اشتراك في الاسم العام الكلي كالاشتراك في الأسماء التي

يسميها النحاة اسم الجنس، ويقسم المنطقيون الكلي إلى جنس ونوع وفصل

وخاصة وعرض عام، فالاشتراك في هذه الأسماء هو مستلزم لتباين الأعيان وكون

أحد المشتركين ليس هو الآخر , وهذا مما به يعلم أن وجود الحق مباين للمخلوقات

أعظم من مباينة هذا الموجود لهذا الموجود , فإذا كان وجود الفلك مباينا مخالفا

لوجود الذرة والبعوضة فوجود الحق تعالى أعظم مباينة لوجود كل مخلوق من مباينة

وجود ذلك المخلوق لوجود مخلوق آخر.

وهذا وغيره مما يبين بطلان قول ذلك الشيخ حيث قال: لا يعرف التوحيد إلا

الواحد وتصح العبارة عن التوحيد , وذلك لا يعبر عنه إلا بغير , ومن أثبت غيرا

فلا توحيد له - فإن هذا الكلام مع كفره تناقض فإن قوله: لا يعرف التوحيد إلا

واحد يقتضي أن هناك واحدا يعرفه , وأن غيره لا يعرفه هذا تفريق بين من يعرفه

ومن لا يعرفه , وإثبات اثنين أحدهما يعرفه والآخر لا يعرفه إثبات للمغايرة بين من

يعرفه ومن لا يعرفه، فقوله بعد هذا: من أثبت غيرا فلا توحيد له، يناقض هذا ,

وقوله: إنه لا تصح العبارة عن التوحيد، كفر بإجماع المسلمين، فإن الله قد عبر

عن توحيده , ورسوله عبر عن توحيده , والقرآن مملوء من ذكر التوحيد , بل إنما

أرسل الله الرسل وأنزل الكتب بالتوحيد , وقد قال تعالى: {واسأل من أرسلنا

من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون} (الزخرف: 45)

وقال تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا

فاعبدون} (الأنبياء: 25) , ولو لم يكن عنه عبارة لما نطق به أحد , وأفضل ما

نطق به الناطقون هو التوحيد كما قال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: (أفضل

الذكر لا إله إلا الله وأفضل الدعاء الحمد لله) وقال: (من كان آخر كلامه لا إله

إلا الله دخل الجنة) لكن التوحيد الذي يشير إليه هؤلاء الملاحدة وهو وحدة

الوجود أمر ممتنع في نفسه لا يتصور تحققه في الخارج , فإن الوحدة العينية

الشخصية تمتنع في الشيئين المتعددين , ولكن الوجود واحد في نوع الوجود بمعنى

أن الاسم الموجود اسم عام يتناول كل أحد , كما أن اسم الجسم والإنسان ونحوهما

يتناول كل جسم وكل إنسان , وهذا الجسم ليس هو ذاك , وهذا الإنسان ليس

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٦ · الصفحة ١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٦ · ص ١١