تقريظ المطبوعات الحديثة
(المصحف الشريف، طبعة الحكومة الأخيرة له)
كانت المصاحف الشريفة تكتب كالكتبة الأولى التي كتبها بعض كبار أصحاب
رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقرها أهل الحل والعقد، وأمر الإمام الأعظم
عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه في عهد خلافته بتوزيع نسخ منها على
الأقطار؛ ليعتمد عليها في الحفظ والنسخ. ويسمى المصحف العثماني الرسمي
المذكور بالمصحف الإمام؛ لأن المسلمين كانوا يأخذون عنه ما ينسخون من
المصاحف في كل قطر، واشترط العلماء المقرؤون في القراءات المعتد بها أن
تكون موافقة لرسم هذا المصحف، فما لا يوافقه لا يعد من القرآن المتواتر الواجب
الاتباع، ولما ضعفت اللغة العربية بكثرة دخول الأعاجم في الإسلام اضطر
المسلمون إلى نقط المصاحف وشكلها؛ لأجل ضبط القراءة وعدم الغلط والتحريف
فيها ممن لم يتلق القرآن من المقرئين الحافظين.
ثم استحسن بعض الناس في القرون الوسطى أن يغيروا من رسم المصحف
الإمام ما يشتبه فيه القارئ غير المتلقي عن القراء، فيكتبوه بما استحدثوا من قواعد
الرسم ففعلوا، وأكثر ما غيروا يدخل في باب واحد وهو زيادة حرف المد في
الممدود كالعالمين ومالك، والكتاب، وأبصارهم، وغشاوة، ويخادعون، وطغيانهم،
والضلالة، وظلمات، والكافرين، وأبصارهم، والثمرات، وصادقين، والأنهار،
وأزواج، وأمثال ذلك مما يكثر حذف الألف فيه من رسم المصحف الإمام، وهذه
الأمثلة التي أوردناها هي من سورة الفاتحة، وربع الحزب الأول من سورة البقرة،
فصاروا يكتبون ذلك كله بالألف، وقد ترك أكثرهم ألفاظا أخرى أبعد عن قواعد
الرسم مما ذكر لندرتها: كالربا فإن رسمها في المصحف بألف قبلها واو هكذا
(الربوا) وكذا كلمة العلماء في قوله تعالى: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ (فاطر: 28) وكالصلاة والزكاة فإنهما فيه بالواو هكذا (الصلوة الزكوة)
وجرت مطابع الآستانة وأكثر مطابع مصر وغيرها على هذا التغيير، وكان ينبغي
أن يذكر في آخرها تنبيه يبين فيه ذلك في المصاحف المطبوعة والمخطوطة، وقد
بقي في مصر وبعض بلاد الأعاجم من يستمسك باتفاق العلماء على وجوب اتباع
رسم المصحف المأثور عن الصحابة (رضي الله عنهم) ويحافظون على ذلك
خطا وطبعا. ومنه المصحف المعروف بمصحف أبي زيد والمصحف المعروف
بمصحف المليجي من مطبوعات مصر، والأول أصح وأضبط، وأما مصاحف
الآستانة فلم نر منها شيئا من ذلك.
ثم إن الحكومة المصرية عنيت بطبع مصحف لم يطبع مثله في بلاد الإسلام،
وقد ذكرنا في ترجمة المرحوم حفني بك ناصف خبر اللجنة التي ألفت لتحرير
رسمه على أصح الروايات المدونة في الكتب التي ألفت في هذا الموضوع،
ولضبطه وتصحيحه وشكله وعد آياته ووضع علامات الوقف له، وقد أتمت اللجنة
عملها وكتبت بيانها له وأمضته في 10 ربيع الآخر سنة 1337، وكانت حروفه
كلها قد جمعت في المطبعة الأميرية الشهيرة ببولاق، وقرئ كله مرارا كثيرة في
عدة سنين حتى تمت الثقة بأنه خال من الغلط خلوا تاما، ثم طبع في مصلحة
المساحة بالجيزة سنة 1342، وطبع بيان اللجنة في آخره، وهو جدير بأن يعول
عليه العالم الإسلامي كله، وقد طبع منه نسخ كبيرة على ورق سميك، وطبعت
نسخ أصغر منها على ورق رقيق كأحسن ما طبع في الآستانة بل خير منها، ولكن
النسخ المطبوعة المعدة للبيع في مخازن وزارة المعارف لا تزال قليلة، لا تفي
ببعض الحاجة، فعسى أن تزاد لتكفي حاجة مصر وسائر البلاد.
وقد بينت اللجنة في التعريف الذي وضعته لهذا المصحف الشريف المآخذ
التي اعتمدت عليها من الكتب المصنفة في الرسم وضبط الشكل، والعد والتجزئة
والتحزيب، وبيان المكي والمدني، ومواضع الوقوف وعلاماتها، وسجدات التلاوة،
حتى السكتات التي يوجبها حفص الذي يقرأ مسلمو الشرق كلهم على روايته.
وانفرد هذا المصحف بأشكال من الحركات والحروف للضبط والوقف والأداء