تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

تجنس المسلم بجنسية تنافي الإسلام

(س 1) من الحزب الوطني التونسي

ما قول حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الكبير الشيخ رشيد رضا أيده الله في

حكومة فرنسا المتسلطة على كثير من الشعوب الإسلامية؛ إذ عمدت أخيرا إلى

وضع قانون يعرف بقانون التجنس، الغرض منه حمل سكان تلك البلاد من

المسلمين على الخروج من ملتهم , وتكثير سواد أشياعها , وقد جعلت هذا التجنس

شرطا في نيل الحقوق السياسية التي كانت لهم من قبل , وسلبتها منهم على وجه

الاستبداد الجائر , مع أن اتباع المسلم لهذه الملة؛ يجعله ينكر بالفعل ما هو معلوم

من الدين بالضرورة ولا تتناوله الأحكام الشرعية , بل يصير تابعا لقوانين وضعية ,

نصوصها صريحة في إباحة الزنا وتعاطي الخمور , وارتكاب الفجور , وتحليل

الربا , والاكتساب من الطرق غير المشروعة , ومنع تعدد الزوجات، واعتبار ما

زاد عن الواحدة من قبيل الزنا المعاقب عليه , وإنكار نسب ما ولد له من غيرها

حالة وجودها , ولا حق له في نفقة ولا إرث ولو على فرض الاستلحاق , وفك

العصمة من الزوج , وإسنادها إلى المحكمة , حتى إذا أوقع الطلاق بنفسه كان

لغوا , وقسمة المواريث على طريقة مخالفة للفرائض الشرعية وجعل أنصبائها على حد سواء بين الإناث والذكور.

وأشد بلاء من هذا كله جعل المسلم مجبورا على الخدمة العسكرية في جيش

عدو معد لقتال المسلمين , وإذلالهم وإكراههم على الخضوع، والإلقاء بأنفسهم في

قبضة من لا يرقب فيهم ذمة ولا يحفظ معهم عهدا.

فهل يعد إقدام تلك الحكومة على أمر كهذا نكثا للمعاهدة الموضوعة على

أولئك المسلمين , وفتنة لهم في دينهم وإخلالا بنظام اجتماعهم؟

وهل يكون أولئك المسلمون إذا قبلوا هذا التجنس مرتدين عن دينهم , فلا

نعاملهم معاملة المسلمين من مثل: المناكحة , والتوارث , وأكل ذبائحهم , ودفن

أمواتهم في مقابر المسلمين؛ لأنهم رضوا بالانسلاخ عن أحكام الشريعة , ولا

مكره لهم على ذلك؟ أم كيف الحال؟

وهل يجوز لمسلم يدرك عواقب هذه الفتنة العمياء , وغوائل السكوت عنها أن يترك الإنكار عليها , والحال أنه آمن على نفسه , وقادر على مقاومتها ,

وإظهار النكير عليها؟

أفتونا في هذه الواقعة بما يقتضيه النظر الشرعي إرشادا للحائرين، وتنبيها

للغافلين، أبقاكم الله لخدمة الإسلام والمسلمين.

الجواب:

إذا كانت الحال كما ذكر في السؤال، فلا خلاف بين المسلمين في أن قبول

هذه الجنسية ردة صريحة , وخروج من الملة الإسلامية، حتى إن الاستفتاء فيها يعد

غريبا في مثل البلاد التونسية , التي يظن أن عوامها لا يجهلون حكم ما في السؤال

من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة , ولعل المراد من الاستفتاء إعلام

الجمهور معنى هذه الجنسية , وما تشتمل عليه من الأمور المذكورة المنافية للإسلام

نفسه , لا للسياسة الإسلامية التونسية التي بدئ السؤال بذكر غوائلها فقط , كقوله:

إن هذه الملة (يعني الجنسية التي هي بمعنى الملة في الأحكام المخالفة

للشريعة الإسلامية) تحمل صاحبها على إنكار ما هو معلوم من الدين بالضرورة.

على أنه قال: إنه ينكر ذلك بالفعل. ولعله أراد بهذا القيد الاحتراس عن الاعتقاد ,

وجعل هذا هو المراد من الاستفتاء لما هو مشهور بين أهل السنة من أن المعاصي

العملية لا تخرج صاحبها من الملة إذا لم يجحد تحريمها أو يستحلها، وإن كانت

مجمعا عليها معلومة من الدين بالضرورة.

وهذه المسألة أهم عندنا من كل ما رتبه السائل على هذه الجنسية من الغوائل

كنكث الدولة الفرنسية للمعاهدة التونسية, فإن المعاهدات في هذا العصر حجة القوي

على الضعيف كما قال البرنس بسمارك، فهو يأخذ بها من الضعيف أضعاف ما جعله

لنفسه من الحقوق , ولا يعطيه مما التزمه له إلا ما يريد هو , ويوافق مصلحته

كما قلنا للسيد فيصل ابن السيد حسين الحجازي عندما أراد إقناعنا بقبول الوصاية

الفرنسية على سورية بمقتضى معاهدة وشروط

…

وقد بلغنا أن بعض المتفقهة أبى

الإفتاء بردة من يقبل مثل هذه الجنسية , ويرتكب ما يترتب عليها من ترك أحكام

الشريعة المشار إليها في السؤال بناء على قول بعض الأئمة: لا نكفر مسلما

بذنب. ونظمه اللقاني في جوهرة التوحيد (فلا نكفر مسلما بالوزر) مع الغفلة

عن قوله فيها الذي نظم به قاعدة الردة العامة:

ومن لمعلوم ضرورة جحد ... من ديننا يقتل كفرا ليس حد

فإن هذه القاعدة وقع فيها اللبس والاشتباه حتى بين المشتغلين بالعلم، وفي

أحد فروعها وهو استحلال الحرام، فإنه إذا كان من المجمع عليه المعلوم من الدين

بالضرورة كان ردة عن الإسلام بلا خلاف، ولكن بعض المشتغلين بقشور العلم ,

والمجادلين في ألفاظ الكتب من يظنون أن الجحد والاستحلال من أعمال القلب،

فجاحد الصلاة ومستحل شرب الخمر والزنا عندهم هو من يعتقد أن وجوب

الصلاة, وتحريم الخمر والزنا ليسا من دين الإسلام، فلا الصلاة فريضة ولا الزنا

حرام.

وفي هذا الظن من التناقض والتهافت ما هو صريح، فإن فرض المسألة أن

الذي يستحل مخالفة ما يعلم أنه من الدين علما ضروريا , غير قابل للتأويل سواء

كان فعلا أو تركا فإنه يكون به مرتدا عن الإسلام، والعلم الاعتقاد القطعي فكيف

يفسر الاستحلال بعدم الاعتقاد , وهو جمع بين النقيضين؛ أعني اعتقاد أنه من الدين ,

وعدم اعتقاد أنه من الدين؟ وقد سبق لنا تحقيق هذه المسألة في بابي التفسير

والفتاوى من المنار، ونقول الآن بإيجاز واختصار: إن حقيقة الجحد هو إنكار

الحق بالفعل، واشترط أن يكون المنكر معتقدا له بالقلب.

قال الزمخشري في الأساس: جحده حقه وبحقه جحدا وجحودا. وقال

الراغب في مفردات القرآن: الجحود نفي ما في القلب إثباته، وإثبات ما في القلب

نفيه، يقال: جحد جحودا وجحدا قال عز وجل:] وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم

ظلما وعلوا [ (النمل: 14) اه. وحسبنا الآية نصا في الموضوع وسنذكر غيرها

أيضا.

وكذلك الاستحلال والاستباحة: أن يفعل الشيء فعل الحلال والمباح؛ أي:

بغير تحرج ولا مبالاة، وهو يعتقد أنه حرام شرعا , ولو لم يكن مجمعا عليه ,

فإن كان المستحل متأولا لنص أوقاعدة شرعية اعتقد بها أنه حلال شرعا , لم

يحكم بردته، وإلا كان مرتدا، ويصدق في ادعائه الجهل بحرمته إلا إذا كان مجمعا

عليه معلوما من الدين بالضرورة.

والوجه في ذلك أن الإسلام هو الإذعان بالفعل لما علم أنه من دين الله في

جملته وهو الإيمان؛ إذ الاعتقاد القلبي وحده لا يكون به المعتقد مسلما , ولا يكون

الاعتقاد إيمانا حتى يكون نازعا، ولهذا قالوا بترادف الإيمان والإسلام فيما يصدقان

عليه وإن اختلفا في المفهوم , ورد بعض ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم

كرده كله ﴿أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض﴾ (البقرة: 85) .

وأما الذنب الذي لا يخرج به فاعله من الملة، فهو مفروض في المسلم،

وهو المذعن لدين الله وشرعه كله بالفعل إذا عمل سوءا بجهالة من سورة غضب

أو ثورة شهوة، وهو لابد أن يحمله الإيمان على الندم والتوبة، ولا يدخل فيه غير

المذعن للأمر والنهي، كالمستحل لجملة المعاصي بالفعل، بحيث يترك ما يترك

منها لعدم الداعية , قال تعالى: {إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة

ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما * وليست

التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا

الذين يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما} (النساء: 17-18) .

ومن تفسير الفقهاء لمسألة استحلال المحرم بالمعنى الذي وضحناه ما أورده

الفقيه ابن حجر في كتابه (الإعلام بقواطع الإسلام) قال: ومن ذلك أن يستحل

محرما بالإجماع كالخمر واللواط ولو في مملوكه - وإن كان أبو حنيفة لا يرى الحد

به؛ لأن مأخذ الحرمة عنده غير مأخذ الحد - أو يحرم حلالا بالإجماع كالنكاح ,

أو ينفي وجوب مجمع على وجوبه كركعة من الصلوات الخمس، أو يعتقد وجوب

ما ليس بواجب بالإجماع , كصلاة سادسة يعتقد فرضيتها كفرضية الخمس؛

ليخرج وجوب معتقد الوتر ونحوه كصوم شوال , هذا ما ذكره الرافعي.

وزاد النووي في الروضة: أن الصواب تقييده بما إذا جحد مجمعا عليه يعلم

من دين الإسلام ضرورة سواء كان فيه نص أم لا، بخلاف ما لا يعلم كذلك بأن لم

يعرفه كل أحد من المسلمين فإن جحده لا يكون كفرا اه؛ وما زاده ظاهر،

وخرج بالمجمع عليه الضروري المجمع عليه غير الضروي كاستحقاق بنت الابن

السدس مع بنت الصلب , وتحريم نكاح المتعة؛ فلا يكفر جاحدهما كما بينته في

شرح الإرشاد، ومع بيان أنه هل الكلام في جاحدهما جهلا أو عنادا , ومع بيان

رد قول البلقيني: إن تحريم نكاح المتعة معلوم من الدين بالضرورة , وأنه قيد

استحلال الدماء والأموال , بما لم ينشأ عن تأويل ظني البطلان كتأويل البغاة،

وللضروري أمثلة كثيرة استوعبتها في الفتاوى , ومن ذلك أيضا ما لو أجمع أهل

عصر على حادثة فإنكارها لا يكون كفرا.

ومحل هذا كله في غير من قرب عهده بالإسلام , أو نشأ ببادية بعيدة، وإلا

عرف الصواب فإن أنكر بعد ذلك كفر فيما يظهر؛ لأن إنكاره حينئذ فيه تضليل

للأمة.

وسيأتي عن الروضة عن القاضي عياض أن كل ما كان فيه تضليل الأمة

يكون كفرا , ثم ما ذكره الشيخان كالأصحاب في استحلال الخمر استبعده الإمام بأنا

لا نكفر من رد أصل الإجماع، ثم أول ما ذكروه بما إذا صدق المجمعين على أن

التحريم ثابت في الشرع ثم حلله فإنه يكون ردا للشرع. قال الرافعي: وهذا إن

صح فليجر مثله في سائر ما حصل الإجماع على افتراضه أو تحريمه فنفاه،

وأجاب عنه أبو القاسم الزنجاني بأن ملحظ التكفير ليس مخالفة الإجماع بل استباحة

ما علم تحريمه من الدين ضرورة) اه ما أردت نقله من الإعلام.

فقول الزنجاني: (إن ملحظ التكفير ليس مخالفة الإجماع بل استباحة ما علم

تحريمه من الدين ضرورة) معناه استباحته بالعمل , بأن يفعله كما يفعل المباح بغير

تأثم ولا مبالاة ولا توبة , وقول الإمام (أي: إمام الحرمين) قبله: إن المراد من

الاستحلال للمجمع على تحريمه مبني على تصديق المجمعين , على أن التحريم

ثابت في الشرع وتعليله إياه بأنه يكون ردا للشرع، فهو صريح في أن المراد برده

عدم الإذعان بالفعل لا عدم الاعتقاد؛ إذ الاعتقاد التصديق وهو مصدق بأنه من

الشرع , وإلا سقطت المسألة من أصلها.

وإنما اشترطوا فيها الإجماع وكونها معلومة من الدين بالضرورة لإسقاط

عذر الجهل - ولذلك استثنوا قريب العهد بالإسلام ومن نشأ بعيدا عن المسلمين -

وعذر احتمال التأول، وهم لا يختلفون في كون رد أي مسألة من الشرع , يعتقد

رادها أنها منه، كرد المجمع عليه المعلوم بالضرورة عند جماعة المسلمين؛ إذ مدار

الردة في هذا المقام على رد الشرع , وعدم الإذعان له؛ أي: عدم التلبس بالإسلام.

فالقاعدة الأساسية في هذه المسألة أن الإسلام الذي تجري على صاحبه أحكام

المسلمين هو الإذعان والخضوع بالفعل لكل ما علم أن النبي صلى الله عليه وسلم

جاء به عن الله تعالى من أمر الدين، وأن رد بعضه كرده كله {أفتؤمنون ببعض

الكتاب وتكفرون ببعض} (البقرة: 85) فإن كان الخضوع بالفعل تابعا للإذعان

النفسي، والاعتقاد القطعي بصدق الرسول في دعوى الرسالة كان إسلاما وإيمانا

منجيا في الآخرة لمن مات عليه، وإن كان في الظاهر دون الباطن كان نفاقا

تجري على صاحبه أحكام المسلمين في الدنيا ما لم يأت بما ينافيه ويثبت خلافه ,

وأما الاعتقاد في الباطن دون الإذعان في الظاهر لمن تمكن من العمل بأن لم يمت

عقبه فلا يعتد به في الدينا ولا في الآخرة، فإن كفر إبليس لم يكن عن عدم اعتقاد،

بل عن حسد وعناد، وكذلك كفر فرعون موسى والملأ من قومه؛ إذ قال الله

تعالى فيهم في سياق الكلام عن الآيات التي أيد الله نبيه موسى عليه السلام

بها: ﴿وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا﴾ (النمل: 14) وكذلك كان

كفر طغاة قريش المستكبرين بالنبي صلى الله عليه وسلم قال تعالى: {فإنهم لا

يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون} (الأنعام: 33) وتقدم أن الإلمام

بمعصية ما لا يعد استحلالا يوجب الخروج من الملة، لأنها إنما تقع من المذعن

بجهالة من غضب أو شهوة، ويتبعها الندم والتوبة.

علم من هذا أن قبول المسلم لجنسية ذات أحكام مخالفة لشريعة الإسلام

خروج من الإسلام؛ فإنه رد له، وتفضيل لشريعة الجنسية الجديدة على شريعته،

ويكفي في هذا أن يكون عالما بكون تلك الأحكام التي آثر غيرها عليها هي أحكام

الإسلام , ولكن يقبل اعتذاره بالجهل إن لم تكن مجمعا عليها معلومة من

الدين بالضرورة , كبعض ما ذكر في السؤال من قتال المسلمين , وبعض أحكام

الإرث وإباحة تعدد الزوجات بشرطها , فلا يعامل معاملة المسلمين في نكاح ولا

إرث ولا يصلى عليه إذا مات.

ومن أدلة ذلك في القرآن قوله تعالى: {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا

بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن

يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا * وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما

أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا} (النساء: 60-

61) .

الطاغوت مصدر الطغيان ومثاره , ويدخل فيه كل ما خالف ما أنزله الله ,

وما حكم به رسوله صلى الله عليه وسلم , فإنه جعل مقابلا له هنا في آيات أخرى

ومنه بعض أحكام القانون الفرنسي كإباحة الزنا والربا، دع ما يستلزمه اتباع؛

أي: جنسية سياسية غير إسلامية من قتال المسلمين وسلب بلادهم منهم , ومما ورد

في تفسير الآية بالمأثور: إن سبب نزولها تحاكم بعض المنافقين إلى بعض

كهان الجاهلية، وقد سمى سبحانه ادعاء هؤلاء المنافقين للإيمان زعما، والزعم

مطية الكذب , وقد بينا في تفسيرنا للأولى منهما اقتضاء الإيمان الصحيح للعمل،

وأن الاستفهام فيها للتعجيب من أمر هؤلاء , الذين يزعمون الإيمان ويعملون ما

ينافيه، وأن الأستاذ الإمام سئل في أثناء تفسيرها في الجامع الأزهر عن

القوانين والمحاكم الأهلية فقال: تلك عقوبة عوقب بها المسلمون أن خرجوا عن

هداية قوله تعالى: ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول﴾ (النساء: 59) فإذا كنا تركنا هذه الهداية للقيل والقال وآراء الرجال , من قبل أن نبتلى بهذه

القوانين ومنفذيها، فأي فرق بين آراء فلان وآراء فلان وكلها آراء منها الموافق لنصوص الكتاب والسنة ومنها المخالف له؟ ونحن الآن مكرهون على التحاكم

إلى هذه القوانين , فما كان منها يخالف حكم الله تعالى يقال فيه: - أي في أهله - ﴿إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان﴾ (النحل: 106) وانظر فيما هو موكول إلينا إلى الآن , كالأحكام الشخصية والعادات والمعاملات بين الوالدين والأولاد

والأوزاج والزوجات، فهل ترجع في شيء من ذلك إلى الله ورسوله؟

…

إلخ ما

قاله , وقد وضحت المراد منه فيراجع في الجزء الخامس من التفسير.

وأقول: إن إكراه المصريين على ما يخالف الكتاب والسنة من القوانين قد

زال الآن بالاستقلال , فإثم ما يبقى منه بعد انعقاد البرلمان المصري في أعناق

أعضائه, وأعناق الأمة في جملتها؛ إذ هي قادرة على إلزامهم إلغاء إباحة الزنا

والخمر وغير ذلك من المحرمات بالإجماع , هذا وإن المحاكم الأهلية

وقوانينها خاصة بالأحكام المدنية والعقوبات التي تقل فيها النصوص القطعية

المعلومة من الدين بالضرورة , ومن حكم له فيها بربا محرم فليس ملزما أخذه،

ومن حكم عليه به وأكره على أدائه فهو معذور، ولا يمس عقيدته ولا عرضه منه

شيء، والحدود الشرعية في العقوبات خاصة بالإمام الحق، والتعزيرات مبنية

على اجتهاد الحكم , فأين حكم المحاكم الأهلية بالقوانين من قبول جنسية تهدم ما

في القرآن من أحكام النكاح والطلاق والإرث وغير ذلك؟ وهي اختيارية

لا اضطرارية , ومن اختارها فقد فضلها على أحكام الله تعالى في كتابه , وعلى

لسان رسوله صلى الله عليه وسلم , وفضل أهلها الكافرين على المؤمنين بالفعل.

(ومنها) قوله تعالى: (4: 64) {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك

فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} (النساء: 65) قال أبو بكر الجصاص من أئمة الحنفية في تفسيرها من كتابه

(أحكام القرآن) ما نصه:

(وفي هذه الآية دلالة على أن من رد شيئا من أوامر الله تعالى , أو أمر

رسوله صلى الله عليه وسلم , فهو خارج من الإسلام، سواء رده من جهة الشك فيه،

أو من جهة ترك القبول والامتناع من التسليم، وذلك يوجب صحة ما ذهب

إليه الصحابة في حكمهم بارتداد من امتنع من أداء الزكاة , وقتلهم وسبي ذراريهم؛

لأن الله تعالى حكم بأن من لم يسلم للنبي صلى الله عليه وسلم قضاءه وحكمه فليس

من أهل الإيمان) اه.

وقد بينا في تفسيرنا لهذه الآية ما ملخصه: إن الإيمان الصحيح الحقيقي وهو

إيمان الإذعان النفسي المقابل لما يدعيه المنافقون , لا يتحقق إلا بثلاث:

(1) تحكيم الرسول صلى الله عليه وسلم فيما شجر؛ أي: اختلط فيه

الأمر مما يتخاصم فيه الناس.

(2) الرضاء بحكمه وانشراح الصدر له بحيث لا يكون في القلب أدنى

حرج، أي: ضيق وانكماش مما قضى به.

(3) التسليم والانقياد بالفعل , ولا خلاف بين المسلمين في اشتراط هذه

الثلاث في كل ما ثبت مجيئه به صلى الله عليه وسلم من أمر الدين؛ إذ لا يعقل

اجتماع الإيمان الصحيح برسالته , مع إيثار حكم غيره على الحكم الذي جاء به

عن الله تعالى، ولا مع كراهة حكمه والامتعاض منه، ولا مع رده وعدم التسليم له

بالفعل.

وجملة القول: إن المسلم الذي يقبل الانتظام في سلك جنسية يتبدل أحكامها

بأحكام القرآن، فهو ممن يتبدل الكفر بالإيمان فلا يعامل معاملة المسلمين، وإذا

وقع من أهل بلد أو قبيلة، وجب قتالهم عليه حتى يرجعوا , والمعقول أن هذا لا يقع

من مسلم صحيح الإيمان بل لا يجوز عقلا أن يصدر عنه، ذلك بأن الإيمان القطعي

بأن أحكام النكاح والطلاق , والإرث وتحريم الربا والزنا المنصوصة في القرآن من

عند الله العليم الحكيم , يقتضي تفضيلها على كل ما خالفها، والعلم بأن التزامها من

أسباب رضوان الله وثوابه، وترك شيء منها من أسباب عذابه وسخطه، يقتضي

الحرص على الاستمساك بها فعلا لما أوجب سبحانه، وتركا لما حرم،

ودليله: أن العلم بالمضار والمنافع يقتضي فعل النافع وترك الضار بسائق الفطرة،

ويعرف ذلك كل إنسان من نفسه بالوجدان الطبيعي , ومن سائر الناس بالتجربة

المطردة في جملة المنافع والمضار. وما يشذ من الجزئيات فله أسباب لا تنقض

القاعدة التي بيناها مرارا.

ويلتبس الأمر على كثير من الباحثين في بعض هذه الجزئيات , فيحسبها

ناقضة لقاعدة اقتضاء العلم القطعي أو الراجح للعمل، وجل هذا اللبس يرجع إلى

خفاء وجوه الترجيح الطبيعي , فيما يتعارض فيه العلم القطعي والظن والوجدان

والفكر، مثال ذلك: ترك المريض الدواء النافع وفعله لضده كتناول الغذاء الضار

من أمور الدنيا، وتركه لبعض الواجبات أو اجتراحه لبعض السيئات من أمور

الدين، ومن محص المسألة يظهر له أن تارك الدواء لاستبشاع طعمه , قاطع

بضرره المتعلق بالذوق وهو من الحسيات اليقينية , وغير قاطع بنفعه بل هو إما

ظان وإما شاك فيه، وكذلك مرتكب المعصية وإن كان تحريمها قطعيا كالزنا , فإن

الشك يعرض له في الوعيد عليه من باب الرجاء في العفو والمغفرة بفضل

الله تعالى , أو بالتكفير عنه بالأعمال الصالحة، ولكن لذة الشهوة التي تعرض له لا

شك فيها، فيرجح العلم القطعي بالمنفعة وهي اللذة على الظن أو الشك في العقاب،

وإنما يقع هذا الترجيح في الكبائر لمن كان ضعيف الإيمان، وهو ما كان عقيدة لم

ترتق بها التربية العملية إلى الوجدان، وإنما الإيمان الكامل المقتضي للعمل في

أفراد الجزئيات ما كان فيه الاعتقاد الصحيح مصاحبا للشعور الوجداني بالخوف

والرجاء في كل منها، وقد يتخلف في بعض دون بعض، فإن من يعيش بين قوم

يجاهرون بمعصية لا ينفر وجدانه منها , كمن يعيش بين قوم لا يفعلونها إلا ما قد

يقع من بعضهم وراء الأستار.

فهذا ملخص ما يحتج به على استلزام الإيمان الصحيح للعمل بجملة ما ثبت

عند المؤمن أنه من الشرع، والأدلة الشرعية عليه كثيرة، وبها جعل جمهور

السلف العمل ركنا من أركان الإيمان - وقد اختلف العلماء في معنى الحديث المتفق

عليه: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) إلخ بناء على اختلافهم في تعريف

الإيمان , فذهب بعضهم إلى أن المنفي هو الإيمان الكامل وهو الوجداني الذي

يقتضي العمل فعلا وتركا - وقيل: إن الإيمان يفارق الزاني عند الزنا بحيث لو مات

في أثنائه مات كافرا. وحقق الغزالي أنه لا يكون عند تلبسه بالزنا مؤمنا بأنه

يستلزم سخط الله وعذابه , وهو يصدق بنسيان الوعيد عند ذلك لغلبة الشهوة

التي يغيب صاحبها عن إدراك الحسيات أحيانا. كما قال الشاعر:

قالت وأبثثتها وجدي فبحت به ... قد كنت عندي تحب الستر فاستتر

ألست تبصر من حولي فقلت لها ... غطى هواك وما ألقى على بصري

ويصدق بالشك في وقوع الوعيد بما بيناه آنفا من رجاء المغفرة أو التكفير ,

ومثل هذا الشك والتأول لا يمكن أن يجري في جملة المأمور به والمنهي عنه ,

ولا في ترك الأحكام الكثيرة التي لا يغلب صاحبها عليها ثورة شهوة، ولا سورة

غضب كأحكام الإرث والنكاح والطلاق وثبوت النسب ونفيه - بل هي مما يتفق

الدليل العقلي والطبعي مع الدليل الشرعي على أن من رغب عنها إلى غيرها من

أحكام البشر لا يمكن أن يكون مؤمنا، وعندي أن تركها بمثل اختيار الجنسية

المسؤول عنها ليس إنشاء للكفر وابتداء للردة , بل هو أثر له ناشئ عنه، وإنما

أطلت في هذه المسألة التي سبق لي توضيحها مرارا , لما بلغني من توقف بعض

علماء تونس في الإفتاء بكون التجنس بالجنسية الفرنسية ردة.

جنسية الإسلام وإصلاحه للبشر

ويحسن ختم هذه الفتوى بالتذكير بما كنا نوهنا به مرارا من الركن الأعظم

لإصلاح الإسلام لشؤون البشر , وتمهيد طريق السعادة لهم , وبيان ذلك بالإيجاز:

أن مثارات شقاء البشر محصورة في اختلافهم في مقومات الاجتماع ومشخصاته

من العقائد واللغات والأوطان والأحكام والحكومات والأنساب؛ أي: العناصر

والأجناس كما يقول أهل هذا العصر، والأصناف كما يعبر علماء المنطق

والطبقات والتقاليد والعادات , وحسبك من هذا الأخير أن المختلفين في الأزياء من

أبناء الوطن الواحد المتفقين فيما عداه من روابط الاجتماع يتفاضلون فيه حتى يحتقر

بعضهم بعضا

…

جاء دين التوحيد والسلام (الإسلام) يرشد الناس كافة إلى المخرج من كل

نوع من أنواع هذا الاختلاف المثيرة لشقائهم , بالتعدي والتباغض بجمعهم على

دين واحد , موافق للفطرة البشرية مرق لها بالجمع بين مصالح الروح والجسد

(وهو الجنسية الدينية) ، ولغة واحدة يتخاطبون بها , ويتلقون معارفهم وآدابهم بها

(وهي الجنسية الاجتماعية الأدبية) وحكم واحد يساوي بينهم على اختلاف مللهم

ونحلهم (وهو الجنسية السياسية) ؛ فهو يزيل من بينهم التفاضل والتعالي بالأنساب

والامتياز بالطبقات، والتعادي باختلاف الأوطان والعادات، وأودع في تعاليمه

وأحكامه جواذب تجذبهم إلى ذلك باختيارهم بالتدريج الذي هو سنة الله في كل

تغيير يعرض لجماعات البشر ﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾ (الرعد: 11) .

وحسبنا هنا من الحجة على ذلك ما هو معلوم بالتواتر من أثره في نشأته

الأولى في خير القرون؛ إذ انتشر مع لغته وآدابه وسياسته وأحكامه في العالم

القديم , من أقصى المغرب إلى أقصى المشرق، وطالما شرحنا أسباب ذلك من

آيات الكتاب والسنة وعمل الخلفاء وعلوم الأئمة.

وقد قلدته أمم الحضارة الكبرى في هذا العصر، فكل منها تبذل القناطر

المقنطرة من الذهب؛ لنشر دينها ولغتها , وتشريعها وآدابها وأحكامها في جميع

أقطار الأرض , مؤيدة ذلك بآلات القهر والتدمير البرية والبحرية والجوية، ولم

يبلغ تأثيرها في عدة قرون مع سهولة المواصلات , وتقارب الأقطار ودقة النظام

ما بلغه الإسلام في أقل من قرن واحد مع فقد هذه الوسائل كلها - ولو وضع نظام

للإمامة الكبرى (الخلافة) يكفل أصولها وأحكامها الشرعية؛ لعم الإسلام ولغته

العالم كله , ولتحققت به أمنية الحكماء فيما ينشدونه من المدنية الفاضلة قديما وحديثا.

أهمل المسلمون هذه الفريضة الكافلة لجميع الفرائض والفضائل فما زالوا

يرجعون القهقرى، حتى بلغ بهم الخزي ما نسمع ونرى، وصار مستعبدوهم

ومستذلوهم يطمعون في تركهم , لما بقي من شريعتهم اختيارا في الوقت الذي آن

لهم فيه أن يعرفوا أنفسهم , ويعرفوا قيمة دينهم وشرعهم , وينهضوا به؛ لإصلاح

أنفسهم , وتلافي سقوط حضارة العصر بإبادة بعض أهلها لبعض {فاعتبروا

يا أولي الأبصار} (الحشر: 2) .

-----------------

<span class="footnote">

</span></span>

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٥ · الصفحة ٢١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٥ · ص ٢١