تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الخطر على الحجاز وعلى الإسلام

(1)

في أوائل هذا الصيف ألم بالقاهرة رجل سوري كان يشغل عملا مهما في

حكومة الشريف علي بجدة، فشرح لنا ما وصلت الحال هنالك من القلة والعسرة

واليأس من كل شيء إلا من الإنكليز، وقال: إنه علم أن الشريف علي بن الحسين

استغاث بالمعتمد الإنكليزي، وعرض عليه أن يطلب من دولته مساعدته على

سلطان نجد، على أن يكون الحجاز كله تحت الحماية الإنكليزية.. . وأن المعتمد

وعده بالكتابة إلى حكومته بذلك، وكتب بالفعل، قال الراوي: وقد سافرت قبل

مجيء الجواب، فإن جاء بعدم القبول فلا شك عندي في أن الملك عليا يفر من جدة

مبحرا إلى حيث يعلم الله تعالى، وتسقط في أيدي الوهابيين، وإن جاء بالقبول

تدخل المسألة في طور جديد لا يعلم عاقبته إلا الله تعالى.

وأقول: قد سبق للشريف علي مثل هذا العرض كما علمنا من الوفد الهندي

الذي كان عنده في جدة في العام الماضي، ولكن المعتمد قال له يومئذ: إن حكومته

على الحياد.

ثم حدثني رجل آخر من الثقات أنه سمع من لسان الشيخ عبد الملك الخطيب

في الإسكندرية يوم ألم بها الملك فيصل، أن وزارة الداخلية المصرية بلغته أنها

قررت إلغاء الحجز على الذخائر الحربية الهاشمية المحجوزة في السويس، وأن

الحجز عليها كان بإيعاز من الإنكليز لوزير الداخلية إسماعيل صدقي باشا (كان) ،

فعلمت أن هذه الحكومة الماكرة عادت إلى التدخل في أمر الحجاز بمساعدة صنائعها

وملوكها حسين بن علي وأولاده على سلطان نجد، بل على الشعب العربي والأمة

الإسلامية.

وأما السبب في هذا فليس رضا الشريف علي بجعل الحجاز تحت الحماية

الإنكليزية على قواعد والده حسين التي سماها (مقررات النهضة) فقط، بل

السبب الأول المباشر هو بيعه للإنكليز أهم منطقة حجازية حربية، وهي منطقة

العقبة ومعان المجاورة للمدينة المنورة مع اليأس من سلطان نجد أن يسمح بأن

يكون لهم أدنى نفوذ في الحجاز أو غيره من بلاد العرب، وهذا أمر قد أصبح قطعيا؛

إذ صرح به السلطان عبد العزيز آل سعود في منشوراته الرسمية، ومنها المنشور

الذي صدر بمكة المكرمة في آخر ذي الحجة الحرام الماضي، ونشر في جريدة أم

القرى، ونقلته عنها أكثر الجرائد المصرية، وناهيك بتصريحه فيه وفيما سبقه بأن

حكومة الحجاز تدار بالنظام الشرعي الذي يقرره المؤتمر الإسلامي العام، الذي

اقترحه هو منذ تصديه لإنقاذ الحجاز من سلطة حسين الشخصية التي عرف فسادها

العالم كله، حتى إن ولي عهده الشريف عليا وأنصاره القليلين الذين بايعوه تقربوا

إلى العالم الإسلامي بزعمهم (أنهم خلعوا حسينا ونصبوا عليا ملكا دستوريا على

الحجاز) . وهم كاذبون ومخادعون في دعوى الخلع وفي دعوى الحكومة الدستورية.

لم يكتف الإنكليز بالعود إلى مساعدة هذا البيت المسخر لهم بالمال والسلاح

كما بدؤوا في زمن الحرب الكبرى، بل أنشؤوا يساعدونه على الدعاية الإفسادية في

العالم الإسلامي؛ لتنفيره من الوهابية، وعطفه على البيت الحجازي الذي استولوا

بمساعدته على القدس الشريف والعراق، وأنشبوا براثنهم في قلب الجزيرة العربية،

وبدؤوا يلتهمون الحجاز لقمة بعد لقمة.

أعلن ابن السعود بأنه أرسل جيشا إلى المدينة المنورة؛ لإخراج الحامية

الهاشمية التي فيها بالحصر دون القتال، ولما كان يعلم أن خصومه يتهمون جيشه

بأنهم إذا استولوا على المدينة المنورة يهدمون الروضة المشرفة وقبة الحرم المعظم،

سبق إلى نفي هذه التهمة والتبرؤ منها، فقال في آخر منشوره الرسمي الذي نشره،

عند إرسال الجيش المذكور ما نصه:

(إن أعداءنا يشيعون أننا إذا استولينا على المدينة نهدم روضة الرسول

صلى الله عليه وسلم، وحاشا أن تحدث نفس مسلم بذلك، إنني أفتديها بنفسي

وولدي ومالي ورجالي) إلخ.

ولكن هذا الاحتياط لا يزيد خصومه إلا جرأة على الكذب والاختلاق، فكما

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٦ · الصفحة ١٨٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٦ · ص ١٨٠