تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

-----------------

<span class="footnote">

(1) كذا كان يريد رحمه الله، ولكن لم يتم له ما يريد، لقلة الرجال وقلة المال.

(2) روي هذا المعنى في عدة أحاديث أقربها إلى هذا اللفظ (إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يرى بها بأسا يهوي بها سبعين خريفا في النار) رواه الترمذي وابن ماجه والحاكم من حديث أبي هريرة مرفوعا بسند صحيح، ومنها ما رواه أحمد من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعا (إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يرى بها بأسا؛ ليضحك القوم، وإنه ليقع بها أبعد من السماء) .</span></span>

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

الثورة السورية والحكومة الفرنسية

والتنازع بين الشرق والغرب

(8)

موسيو (جوفنيل) وسياسته

من أساليب السياسة الأوربية التي صارت معروفة بين جميع الباحثين في

الشرق أن الجرائد والشركات البرقية تخفي عن الشعوب ما يأتيه رجال الاستعمار

من المنكرات، وأن تبدل سيئاتهم حسنات؛ خوفا من حملات الأحزاب المعارضة

للحكومة ومن انتقاد مستقلي الفكر أو أنصار الفضيلة، وقلما تصل إلى الرأي

الأوربي العام أو الخاص بدولة استعمارية حقيقة ما ترهق به البلاد من المظالم

والمآثم، إلا أن يكون المبلغ لها لسان ثورة عامة أو قريبة من العامة في تعذر

إنكارها. لهذا أقول لكل من يسألني عن رأيي في ثورة سنة 1919 على الإنكليز

في مصر: إن أكبر فائدتها تكذيب رجال الإنكليز والجرائد المشايعة لهم في دعوى

اغتباط جميع المصريين - ولا سيما الفلاحين - بالسلطة البريطانية في بلادهم، وإنما

المتبرمون والطاعنون فئة قليلة من المتطرفين أصحاب الأهواء الشخصية أو

الحزبية.

كذلك كان من تأثير ثورة سورية الحاضرة وما كان من التخريب والتدمير في

دمشق أن علم الشعب الفرنسي بالإجمال شيئا يشين سمعة فرنسة وصيتها، ويحملها

خسائر تنوء بها خزينتها، ولم تعد دعاية شركات (هافاس) البرقية، وخلابة جرائد

الاستعمار الفرنسية تستطيع إخفاء هذه الفظائع أو تأويلها، فأرادت الحكومة

الجمهورية تدارك هذا الخطر الملصق بسلطة المندوب السامي العسكري (الجنرال

سراي) الذي أوبقه الكائدون له من قومه حتى حملوه على ما فعل في دمشق

وغيرها، فأخرجته من سورية واستبدلت به مندوبا من أذكى رجال السياسة لديها،

وهو موسيو (جوفنيل) الكاتب الصحفي والعضو الفرنسي في جمعية الأمم، عسى

أن تفعل السياسة ما لم يفعل الحديد والنار، وتغني الكياسة ما لم يغن الدرهم

والدينار، وماذا فعل (جوفنيل) ؟

شغل نفسه زمنا طويلا في درس المسألة في باريس، ثم بمعالجتها في لندن،

ثم بدرسها في مصر، ثم بدرسها في سورية، وسمع فيهما أقوال الصادقين

والمنافقين، وغلاة التعصب الديني والطائفي من اللبنانيين. ثم بمعالجتها في

فلسطين، ثم بمعالجتها في أنقرة عاصمة الترك. وقد مرت بضعة أشهر على ندبه

لهذه المعالجة على إثر الفظائع التي اقترفت في دمشق، فاهتز لهولها الشرق

والغرب، ولم تزدد نيران الثورة إلا اشتغالا، ولم تزدد البلاد إلا خرابا، ولم يزدد

المشاقون فيها إلا شقاقا، ولم تزدد فرنسة إلا خسارا لمالها ولرجالها ولصيتها،

ولماذا؟

إنه أعد لمعالجة المسألة ما لا تحتاج إليه، ولا يتوقف علاجها عليه، والعلاج

الوحيد نصب عينيه ولكنه لم يره، وبين يديه ولكنه لم يمسه، وكان يجب أن يعول

عليه وحده، بيد أنه فكر في كل شيء دونه ولم يفكر فيه، فكر في أن إرضاء

الإنكليز ضروري، وفي أن إرضاء الكاثوليك ضروري، وفي أن إرضاء الترك

ضروري، وفي أن إرضاء ابن السعود ضروري، ولم يفكر في إرضاء السواد

الأعظم من أهل سورية المسلمين السنيين، والشيعة والدروز، والعلويين،

ومعتدلي المسيحيين، وإنما قدر ودبر وفكر في وسائل التفريق بينهم، وفكر في

التهديد، وفي الوعد والوعيد، نعم إنه وعد وأوعد، وقال: ما عندي إلا السلم لمن

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٦ · الصفحة ٣١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٦ · ص ٣١٧