تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

السفور والحجاب

تتمة من مقال الأمير شكيب أرسلان

(تنبيه من المنار)

(كنا رأينا مقال الأمير في عدد من جريدة البيان العربية النيويوركية فحفظناه

لأجل نقله منها، فلما نشرته بعض الصحف المصرية مجزءا في عددين أو ثلاثة

أعداد، جمعه عمال مطبعتنا من بعضها، فإذا هي قد حذفت منه ما نقله فيه الأمير

عن الأديب الكبير صادق أفندي الرافعي من حوار دار بينه وبين شاب مصري من

المتفرنجين لم تنقله الجريدة؛ لأن رأي قلم التحرير فيها ورئيسه هو رأي الشاب

المتفرنج الذي سفه رأيه الرافعي وأقره الأمير شكيب، وكان من غفلة الجريدة أنها لم

تحذف من بقية المقالة ما قاله صاحبها في رأي الشاب المصري وذكره بحرف

التعريف والبحث في كلامه فلما وصلت عند تصحيح المقالة إلى هذا الموضع (في

ص209 ج3 الماضي) أمرت بالإمساك عن نشر بقية المقالة في الجزء الماضي

وطفقت أبحث عن نسخة جريدة البيان لنقل عبارة الرافعي، وهاكها بنصها، ومحلها

بعد السطر الحادي عشر منها، قال:

واقرأ النبذة الآتية للأستاذ حجة العرب السيد مصطفى صادق الرافعي أنقلها

لك عن كتاب حديث أخرجه آية من آيات البلاغة وهي قوله في شاب حصل العلم

في أوربا كان باحثه في هذا الموضوع.

(كان صاحبنا فتى تلمع عليه غرة الشباب، وقد رق حتى كاد يخالط حد

الأنوثة، ولان حتى قارب أن يفوت معنى الرجولة، وظرف حتى أوشك أن يكون

إنسانا تتفتح في روحه معاني الزهر، ولكنك إذا كنت رجلا صحيحا أمررته على

عينيك كما تمر كتابا لا تريد أن تقرأه، فقد تمدن في أوربة ولبث بعيدا عن قومه ما

شاء الله، ثم رجع إليهم كأن أمه لم تلده، وكأن أباه جده الأعلى، فبينه وبين أبيه

هذا بضعة أجداد منهم المسيو والمستر أو السنيور أو الهر.. وأصبح يحس أن كل

شيء في هذا الاجتماع الشرقي مسلط على نفسه الرقيقة النحيلة بالغلظة

والجفاء والعنت والأذى، إلى أن قال:

(سألت هذا الفتى: ترى أنت مصري؟ قال: ووطني صميم، قلت: أفترى

تصلح في علمك وتهذيبك أن تكون مثالا يتأسى بك نشء بلادك؟ قال: إني لأرجو

ذلك، قلت: وأنت من القائلين بتحرير المرأة الشرقية ومساواتها بالرجل في الحرية

المطلقة وبعثها من هذه القبور التي تسمى المنازل؟ قال: ذلك مذهبي، قلت فكيف

ترى إذا اقتدى بك المصريون فأصهروا إلى الأوربين وخلطوا الشمل بالشمل؟ قال:

لعل ذلك خير الطب لبلادنا فلا معدل عنه في رأيي إذ يأتيها بالدم الجديد، ويدمج

في طباعها النظام والدقة، ويبني البيوت من داخلها.

قلت: أحسنت بارك الله عليك، فكيف ترى إذا سألناك التسوية وقلنا لك:

دع أختك تصب إلى رجل أوربي وتتزوج منه إجازة.. . وتأت به إلى مصر كما

أتيت أنت بصاحبة لك، ثم لتفعل كل امرأة مصرية فعلها؛ فيكون لكم أوربيات،

ويقوم عليهن أوربيون؟ قال: أعوذ بالله! قلت: فعل الله بك وفعل، أفبلغ من

غفلتك أن لا تعرف لعنة الله إلا إذا رأيتها ملء مملكة، ولا تعرف حق وطنك فيك إلا

حين تراه غريبا منقطعا لا حق له في واحد من أهله.

فقال (أي الشاب المصري) : فما أنا وأمثالي إلا شذوذ من القاعدة التي يجب

أن تبقى أبدا قاعدة. قلت: فعليكم غضب القاعدة ومقتها وسخطها، والله لأن تفجع

البلاد فيكم جميعا وتستركم بالقبور رمة بعد رمة خير من أن تتقلد منكم بلية الحياة

في اختلاط الأنساب، وارتداد الأسماء العربية عن دينها إلخ. فقال الشاب: فكم من

امرأة وطنية هي حمل على ظهر صاحبها، قلت: وكم من امرأة إفرنجية هي كية

على قفا صاحبها (هذه عند العرب كناية عن المرأة، يسكت الناس عنها أمام

زوجها، فإذا ولى عنهم قالوا في ظهره ما قالوا.. . وكووا قفاه) نكتفي بهذا القدر

من كلام حجة العربية الرافعي [1] .

ولا شك أن كثيرا من قراء هذه المقالة سيفغرون أفواههم الآن، ويرفعون

عقائرهم قائلين: ما هذا الذي جئتنا به؟ فليس هذا من لوازم هذا، وقد يجوز أن

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٦ · الصفحة ١٢٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٦ · ص ١٢٠