الدين والسياسة
وملاحدة المتفرنجين من العرب وغيرهم
قد سبق لنا بحث كثير في موضوع هذا العنوان نشر بعناوين متعددة , وفي
أثناء التفسير وغير التفسير من أبواب المنار، فقراء المنار يعلمون أن المدارس
الإفرنجية والمدارس المتفرنجة على اختلاف أنواعهما من تبشيرية أنشئت لدعوة
النصرانية، و (علمانية) أنشئت لمقاومة الأديان أو بمعزل عنها - ومن رسمية
للحكومات المتفرنجة كالتركية والمصرية - ومن أهلية أيضا - كلها قد أخرجت
للشعوب الإسلامية نابتة مضطربة في أمر دينها ودنياها وسياستها وآدابها، يقل فيها
من يعرف دينه معرفة صحيحة، ومن يحافظ على آدابه وفرائضه تقليدا أو على
بصيرة، ويقل في المتدينين منهم من يدري كيف يجعل ما استفاده من علوم
العصر وفنونه غذاء معنويا لأمته وقوة وعزة لملته؛ لأن أكثرهم لم يحصل من
العلوم والفنون ما يؤهله لعمل ينهض بالأمة نهوضا ماديا أو معنويا , وإنما تلقوا
قليلا من المبادئ هم فيها مقلدون كما أن أكثرهم مقلدون في الطعن بدين أمتهم
لبعض ملاحدة الإفرنج مع الفرق العظيم بيننا وبينهم في ذلك، ولا سيما فيما يسمونه
الفصل بين الدين والسياسة، وفي براءة أوربة من التعصب الديني وهي مثاره
وأتون ناره.
ولكن يكثر فيهم الهادمون لبناء أمتهم وملتهم باحتقار مقوماتها التي كانت بها
أمة ذات صلة ممتازة كالدين والتشريع والأخلاق واللغة، ومشخصاتها التي تعد
مزيد رسوخ في مقوماتها وتميزها كالتقاليد القومية والأزياء الوطنية والعادات النافعة
وهم في هدمهم لبنيان أمتهم يحسبون أنهم يبنون لها بنيانا جديدا خيرا مما بناه لها
التاريخ , فكانت به أمة ممتازة في الوجود لها تاريخ عظيم فيه من دين بلغ الذروة
العليا في التهذيب، وشرع عادل رفعها فوق رؤوس الأمم قرونا كثيرة، وفتوحات
شهد لها فلاسفة التاريخ من الإفرنج بأن تاريخ البشر لم يعرف لها مثلا في جمعها
بين العدل والرحمة إلخ.
ولو كان لهؤلاء رسوخ قدم في العلم والحكمة وحظ عظيم من فنون العصر
لأحدثوا لأمتهم قوة وثروة يجددان مجدها، مع حفظ مقوماتها ومشخصاتها التي
أشرنا إليها، بدلا من محاولة قتلها وإعادة خلقها.
صدق على هؤلاء الهادمين وعلى المدارس التي تخرجوا فيها قول اللورد
سالسبوري الوزير البريطاني المشهور: إن هذه المدارس التبشيرية أول خطوة
لاستعمار الشعوب التي تنشأ فيها - فإنها تخرج فيها طائفة تخالف سائر أمتها في
عقائدها وأفكارها وتقاليدها فتحدث فيها صدعا وشقاقا تنقسم به على نفسها - على
تعبيرهم - فيقتلها هذا الانقسام بأيديها (أو ما هذا معناه) , ولم يذكر اللورد
بالصراحة أن ما تحدثه هذه المدارس من إفساد العقائد يتبعه فساد الأخلاق وغلبة
الأفكار المادية , وحب الشرف والزينة والشهوات على المتخرجين فيها , فيحول
ذلك دون اتفاقهم حتى فيما يفتتنون به من أمور التفرنج.
وإننا نرى من مصداق كلامنا وكلام اللورد من قبل أن متفرنجة الترك قد
هدموا تلك السلطنة (الإمبراطورية) الراسخة الأساس، الواسعة المقياس، وانتهى
أمرهم إلى إمارة صغيرة طردوا منها الشعوب المسيحية، وهم الآن يقاتلون فيها
الشعب الكردي الذي يلي الشعب التركي في العدد والبأس والقوة، ونرى الشقاق
بالغا غايته بين هؤلاء المتفرنجين المرتدين وبين أهل الدين والمحافظة على التقاليد
الإسلامية من الشعب التركي نفسه , فحكومته تسفك ما بقي من دماء شبانها وتفني
بقايا ثروتها القليلة في مقاومة الفتن الداخلية والحروب الوطنية، ونرى من مصداق
ذلك أيضا هذا الشقاق بين أحزاب الشعب المصري الذي بلغ غايته في هذا العام،
ولا يعلم غير الله ما سيكون من سوء مغبته إن دام.
من المعلوم عند كل من يعرف الإسلام أنه دين وتشريع سياسي قضائي ونظام
اجتماعي، وأنه حكم عربي كما نطق به كتابه المنزل، فإن كان من مثار العجب