تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مناظرة ابن تيمية العلنية

لدجاجلة البطائحية الرفاعية

(وهي من أعظم ما تصدى له , وقام به شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن

تيمية - قدس الله روحه - من إقامة فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

وإحياء السنة، ومحاربة البدعة، بعد أن أهمل ذلك الحكام , فالعلماء , ففشت البدع

وصار كثير منها يعد من شعائر الدين، أو خصائص الصالحين، فكان رحمه الله

من أعظم المجددين) قال:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله رب السموات والأرضين،

وأشهد أن محمدا عبده ورسوله خاتم النبيين، صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم

تسليما دائما إلى يوم الدين.

(أما بعد) فقد كتبت ما حضرني ذكره في المشهد الكبير بقصر الإمارة

والميدان بحضرة الخلق من الأمراء والكتاب والعلماء والفقراء العامة وغيرهم , في

أمر البطائحية يوم السبت تاسع جمادى الأولى سنة خمس؛ لتشوف الهمم إلى معرفة

ذلك , وحرص الناس على الاطلاع عليه، فإن من كان غائبا عن ذلك قد يسمع

بعض أطراف الواقعة , ومن شهدها فقد رأى وسمع ما رأى وسمع، ومن

الحاضرين من سمع ورأى ما لم يسمع غيره ويره لانتشار هذه الواقعة العظيمة،

ولما حصل بها من عز الدين وظهور كلمته العليا وقهر الناس على متابعة الكتاب

والسنة، وظهور زيف من خرج عن ذلك من أهل البدع المضلة، والأحوال الفاسدة

والتلبيس على المسلمين.

وقد كتبت في غير هذا الموضع صفة حال هؤلاء البطائحية وطريقهم وطريق

الشيخ أحمد بن الرفاعي , وحاله وما وافقوا منه المسلمين وما خالفوهم؛ ليتبين ما

دخلوا فيه من دين الإسلام وما خرجوا فيه عن دين الإسلام، فإن ذلك يطول وصفه

في هذا الموضع، وإنما كتبت هنا ما حضرني ذكره من حكاية هذه الواقعة

المشهورة في مناظرتهم ومقابلتهم، وذلك أني كنت أعلم من حالهم بما قد ذكرته في

غير هذا الموضع , وهو أنهم وإن كانوا منتسبين إلى الإسلام وطريقة الفقر

والسلوك، ويوجد في بعضهم التعبد والتأله والوجد والمحبة والزهد والفقر

والتواضع ولين الجانب والملاطفة في المخاطبة والمعاشرة والكشف والتصرف

ونحو ذلك ما يوجد , فيوجد أيضا في بعضهم من الشرك وغيره من أنواع الكفر،

ومن الغلو والبدع في الإسلام والإعراض عن كثير مما جاء به الرسول والاستخفاف

بشريعة الإسلام والكذب والتلبيس، وإظهار المخارق [1] الباطلة , وأكل أموال

الناس بالباطل والصد عن سبيل الله ما يوجد.

وقد تقدمت لي معهم وقائع متعددة , بينت فيها لمن خاطبته منهم ومن غيرهم

بعض ما فيهم من حق وباطل، وأحوالهم التي يسمونها الإشارات، وتاب منهم

جماعة، وأدب منهم جماعة من شيوخهم، وبينت صورة ما يظهرونه من المخاريق

مثل ملابسة النار والحيات , وإظهار الدم واللاذن والزعفران وماء الورد والعسل

والسكر وغير ذلك، وأن عامة ذلك عن حيل معروفة وأسباب مصنوعة، وأراد

غير مرة منهم قوم إظهار ذلك , فلما رأوا معارضتي لهم رجعوا ودخلوا على أن

أسترهم , فأجبتهم إلى ذلك بشرط التوبة، حتى قال لي شيخ منهم في مجلس عام

فيه جماعة كثيرة ببعض البساتين لما عارضتهم بأني أدخل معكم النار بعد أن

نغتسل بما يذهب الحيلة , ومن احترق كان مغلوبا، فلما رأوا الصدق أمسكوا عن

ذلك.

وحكى ذلك الشيخ أنه كان مرة عند بعض أمراء التتر بالمشرق , وكان له

صنم يعبده قال: فقال لي: هذا الصنم يأكل من هذا الطعام كل يوم , ويبقى أثر

الأكل في الطعام بينا يرى فيه، فأنكرت ذلك، فقال لي: إن كان يأكل أنت تموت؟

فقلت: نعم، قال: فأقمت عنده إلى نصف النهار ولم يظهر في الطعام أثر،

فاستعظم ذلك التتري ذلك , وأقسم بأيمان مغلظة أنه كل يوم يرى فيه أثر الأكل لكن

اليوم بحضورك لم يظهر ذلك , فقلت لهذا الشيخ: أنا أبين لك سبب ذلك , ذلك

التتري كافر مشرك , ولصنمه شيطان يغويه بما يظهره من الأثر في الطعام , وأنت

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٦ · الصفحة ٤٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٦ · ص ٤٢