تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كتاب ابن تيمية

إلى الشيخ ناصر المنبجي

هؤلاء الذين تكلموا في هذا الأمر لم يعرف لهم خبر من حين ظهرت دولة

التتار، وإلا فكان الاتحاد القديم هو الاتحاد المعين، وذلك أن القسمة رباعية، فإن كل

واحد من الاتحاد والحلول إما معين في شخص وإما مطلق، أما الاتحاد والحلول

المعين كقول النصارى والغالية في الأئمة من الرافضة، وفي المشايخ من جهال

الفقراء والصوفية فإنهم يقولون به في معنى إما بالاتحاد كاتحاد الماء واللبن، وهو

قول اليعقوبية وهم السودان ومن الحبشة والقبط، وإما بالحلول وهو قول

النسطورية، وإما بالاتحاد من وجه دون وجه وهو قول الملكانية.

(وأما الحلول المطلق) وهو أن الله تعالى بذاته حال في كل شيء، فهذا

تحكيه أهل السنة والسلف عن قدماء الجهمية، وكانوا يكفرونهم بذلك.

وأما ما جاء به هؤلاء من الاتحاد العام فما علمت أحدا سبقهم إليه إلا من أنكر

وجود الصانع مثل فرعون والقرامطة، وذلك أن حقيقة أمرهم أنهم يرون أن عين

وجود الحق هو عين وجود الخلق، وأن وجود ذات الله خالق السموات والأرض

هي نفس وجود المخلوقات، فلا يتصور عندهم أن يكون الله تعالى خلق غيره، ولا

أنه رب العالمين ولا أنه غني وما سواه فقير، لكن تفرقوا على ثلاث طرق، وأكثر

من ينظر في كلامهم لا يفهم حقيقة أمرهم؛ لأنه أمر مبهم.

(الأول) أن يقولوا: إن الذوات بأسرها كانت ثابتة في العدم ذاتها، أبدية

أزلية حتى ذوات الحيوان والنبات والمعادن والحركات والسكنات، وأن وجود الحق

فاض على تلك الذوات، فوجودها وجود الحق، وذواتها ليست ذوات الحق.

ويفرقون بين الوجود والثبوت، فما كنت به في ثبوتك ظهرت به في وجودك،

ويقولون: إن الله سبحانه لم يعط أحدا شيئا، ولا أغنى أحدا ولا أسعده ولا أشقاه،

وإنما وجوده فاض على الذوات فلا تحمد إلا نفسك ولا تذم إلا نفسك، ويقولون: إن

هذا هو سر القدرة، وإن الله تعالى إنما علم الأشياء من جهة رؤيته لها ثابتة في

العدم خارجا عن نفسه المقدسة، ويقولون: إن الله تعالى لا يقدر أن يغير ذرة من

العالم، وأنهم قد يعلمون الأشياء من حيث علمها الله سبحانه، فيكون علمهم وعلم

الله تعالى من معدن واحد، وأنهم يكونون أفضل من خاتم الرسل من بعض الوجوه؛

لأنهم يأخذون من المعدن الذي أخذ منه الملك الذي يوحي به للرسل، ويقولون:

إنهم لم يعبدوا غير الله، ولا يتصور أن يعبدوا غير الله تعالى، وأن عباد الأصنام

ما عبدوا إلا الله سبحانه، وأن قوله تعالى: ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه﴾ (الإسراء: 23) معنى حكم لا معنى أمر، فما عبد غير الله في كل معبود، فإن الله

تعالى ما قضى بشيء إلا وقع، ويقولون: إن الدعوة إلى الله تعالى مكر بالمدعو،

فإنه ما عدم من البداية، فيدعى إلى الغاية، وأن قوم نوح قالوا: {لا تذرن آلهتكم

ولا تذرن ودا ولا سواعا} (نوح: 23) لأنهم لو تركوهم لتركوا من الحق بقدر

ما تركوا منهم؛ لأن للحق في كل معبود وجها يعرفه من عرفه وينكره من أنكره،

وأن التفريق والكثرة كالأعضاء في الصورة المحسوسة، وكالقوى المعنوية في

الصورة الروحانية، وأن العارف منهم يعرف من عبد، وفي أي صورة ظهر حتى

عبد، فإن الجاهل يقول: هذا حجر وشجر، والعارف يقول: هذا محل إلهي ينبغي

تعظيمه فلا يقتصر، فإن النصارى إنما كفروا لأنهم خصصوا، وأن عباد الأصنام

ما أخطأوا إلا من حيث اقتصارهم على عبادة بعض المظاهر، والعارف يعبد كل شيء، والله يعبد أيضا كل شيء؛ لأن الأشياء غذاؤها بالأسماء والأحكام وهو غذاؤها

بالوجود، وهو فقير إليها، وهي فقيرة إليه، وهو خليل كل شيء بهذا

المعنى، ويجعلون أسماء الله الحسنى هي مجرد نسبة وإضافة بين الوجود والثبوت

وليست أمورا عدمية، ويقولون: (من أسمائه الحسنى العلي عن ماذا وما ثم إلا

هو؟ وعلى ماذا وما ثم غيره؟ فالمسمى محدثات وهي العلية لذاتها وليست إلا هو،

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٦ · الصفحة ٢٥٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٦ · ص ٢٥٠