تقريظ المطبوعات الحديثة
(مجموع أدبي تاريخي [*] )
(1) رواية آخر بني سراج.
(2) (خلاصة تاريخ الأندلس) إلى سقوط غرناطة.
(3) كتاب أخبار العصر، في انقضاء دولة بني نصر.
(4) أثارة تاريخية، في أربعة مرسومات سلطانية أندلسية.
نشر في هذه الأيام مجموع مطبوع مشتمل على هذه الآثار التاريخية الأربعة
المتعلقة بتاريخ الأندلس، ذلك الفردوس الأرضي الذي كان أبدع مظهر للحضارة
الإسلامية والثقافة العربية، والموازنة بينهما وبين ما يقابلهما وما قاومهما من
الحضارة الأوربية التي وسموها بالمسيحية، ولم تكن قبل ولا هي الآن من المسيحية
في شيء.
فأما الرواية فهي تاريخية غرامية أدبية، ألفها بالفرنسية الفيكونت
دوشاتوبريان الكاتب الفرنسي الشهير فأجاد، وراعى فيها حق العرب والمسلمين
وشعور الأسبانيين على سواء، بما أورده من تنازع سلطان الغرام في كل من
العاشقين العربي المسلم والأسبانية المسيحية، وسلطان الدين والنفرة الجنسية، فلم
يأت بشيء نستنكره نحن، ولا بشيء يستنكره الآخرون.
وقد ترجمها باللغة العربية الأمير شكيب أرسلان الشهير في أول عهده
بالترجمة والتأليف، وطبعت الطبعة الأولى في مطبعة الأهرام سنة 1897 م،
وترجمتها تشهد له بالإجادة ومتانة الإنشاء وسعة المادة اللغوية منذ عرفت أنامله
الأقلام.
وموضوعها سياحة شاب من بقايا آل سراج من سروات الغرناطيين في
الأندلس حن إلى ذلك الوطن الذي عمره آباؤه وملكه قومه بضعة قرون، فشد رحاله
من تونس إلى غرناطة، قال المترجم: (وبينما هو يجول في غرناطة مسكن أهله
قبل الجلاء الأخير، ثمالة ما كان بقي في يد الإسلام من ذلك النعيم والملك الكبير،
كانت منه لفتة وقع بصره فيها على فتاة من سريات الأسبانيول فعلقت بقلبه،
ووقع نظرها منه على مثلها؛ فتعاشقا وتوزعت القصة بين حبها وحبه، وحال دون
اقترانهما إعجاب كل منهما بدينه وإخلاصه لربه، ثم ما تبين لابن سراج بعد طول
العشرة من كون معشوقته سلالة من آل بيفار الفاتكين - لدن الجلاء - بآبائه، فرأى
اختلاط دم القاتل بدم المقتول غير خليق بآبائه، ولا ممتزج بشيمة وفائه، بل
مضى كل من العاشقين بحبيبه صبا، قد اختلطت مهجتاهما حبا، ولم يفرق بينهما
إلا الدين وإلا المودة في القربى) .
ثم ذكر من أسباب ترجمته إياها: ما تضمنته من آداب المحبين، وما فيها من
وصف مكارم الأخلاق، ومزايا الأشراف من الفرسان، والاطلاع على كثير من
الصفات الملكية متزحزحة عن أفق الملأ العلوي إلى عالم الإنسان، استدلالا على
بديع صنع الله حين يجمع بين الحسن والإحسان، ثم ذكر منها التلذذ بذكرى السلف،
والاستقراء لآثار العرب.
وهذا السبب الأخير وهو الاجتماعي التاريخي، له الشأن الأعلى في قلب كل
مسلم وكل عربي؛ لأن لحضارة الأندلس وآدابها من شعور اللذة المعنوية في هذه
القلوب ما لا يقل عن شعور آدم - عليه السلام - بذكرى جنته، ثم إن لنكبة
الأندلس وما كان من تعصب الأسبانيين وإكراههم المسلمين على التنصر وقسوتهم
في استئصالهم من الأندلس - آلاما في هذه القلوب كبارا، لا يزال جرحها نغارا.
***
(خلاصة تاريخ الأندلس)
وأما خلاصة تاريخ الأندلس فهو من تأليف الأمير، قصد أولا أن يكون ذيلا
وجيزا لهذه الرواية تفهم منه وقائعها، وتظهر مقاصدها، فما زال يسيل مداد القلم
بما يمده به ذلك العلم الواسع بالتاريخ، حتى كان مؤلفا حافلا لا يوجد له باللغة
العربية نظير، وقد راجع فيه أشهر ما كتب مؤرخو الأمم الأوربية في هذا
الموضوع، ولم يكتف بما لخصه صاحب نفح الطيب من أخبار سقوط غرناطة،
وأسباب زوال ملك العرب من الأندلس، فإنه قليل ووجيز، على أنه من أهم ما
يجب تدوينه من وقائع التاريخ لما فيه من العبرة للمتأخر بسيرة من قبله، ولا
سيما أسباب قيام الدول وسقوطها، وارتفاع الأمم وهبوطها، فعرب الأندلس يهم كل