تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ماضي الأزهر وحاضره ومستقبله

(4)

تتمة شرح مطالب الأزهريين

(المطلب السادس) : (تعديل الكشف الطبي بحيث لا يمنع من تولي

وظائف التدريس بالأزهر إلا من به مرض معد، ومعاملة العلماء معاملة خاصة في

الكشف الطبي بوزارة المعارف، وحفظ الحق للمكفوفين في مباشرة وظائف

التدريس بالأزهر، ووظائف الإمامة والخطابة بالمساجد) .

إن من ينظر إلى الإجراءات التي يتخذها ما يسمونه (القومسيون الطبي)

ليثبت بها صلاحية الشخص للوظيفة، يجد تلك الإجراءات شديدة وقاسية، وهي

أشد وأقصى إذا عومل بها الأزهريون، الذين اعتادوا أو عودهم ولاة الأمور أن لا

يعتنى بهم صحيا، وأن يتركوا لجيوش الأمراض المختلفة تفتك بهم، فأماكن

الدراسة في الأزهر والمعاهد الدينية التي لا تصلح - ولم توجد إلا لتكون أماكن

للعبادة فقط - تنال من الطالب في مدة الدراسة الطويلة القاسية، وفي زمني الحر

والقر ما يكفي لأن يهدم منه الجسم السليم ويضعف الصحة الجيدة، هذا إلى

المتاعب الكثيرة التي يستلزمها الانكباب على الدرس والتحصيل، سيما في العلوم

الأزهرية البعيدة الغور والطويلة المدى، ولا ريب أن ذلك كاف لأن يحول دون

استيفاء خريجي الأزهر للشروط التي يفرضها القومسيون الطبي، فلابد أن تكون

للأزهريين معاملة خاصة تراعى فيها الاعتبارات التي ذكرنا، سيما أن هذه

الإجراءات لم يكن للأزهريين بها عهد، ولم يقيدهم بها قانون، على أنه إذا أجيب

ما نطلب بشأن أماكن الدراسة وغير ذلك من المطالب فقد يكون لولاة الأمور الحق

في أن يعاملوا من ينتفع بهذه الإصلاحات معاملة بقية إخوانهم خريجي المدارس.

وإذا ثبت بما ذكرنا وجوب تعديل الكشف الطبي بالنسبة للأزهريين، فإنا

نذكر أن هذا الطلب يشمل أمورا ثلاثة:

(1) أن لا يمنع من وظائف التدريس بالأزهر إلا من به مرض معد.

(2) أن يعامل العلماء إذا عينوا للتدريس بوزارة المعارف معاملة خاصة

كالاكتفاء بنصف نظر في مجموع العينين.

(3) حفظ الحق للمكفوفين في مباشرة وظائف التدريس بالأزهر، ووظائف

الإمامة والخطابة بالمساجد، ونكتفي بما قدمنا عن الكلام في الأمرين الأولين،

ونتكلم عن الأمر الثالث.

ذلك أن المكفوفين الذين يمضون زمنا طويلا في الأزهر، يكدون؛ لنيل

شهادة العالمية - هم أولى الناس بالعطف عليهم، وأجدرهم بالأخذ بناصرهم فلابد

أن يفتح لهم باب الأمل بما يتناسب مع كدهم واجتهادهم وما أحاط بهم من اعتبارات

أخرى، أما حرمانهم نهائيا من كل عمل فمعناه أنهم ليسوا أهلا لشيء، وأنهم

أضاعوا حياتهم سدى، وهو تصرف لا يستطيع إنسان تبريره أو الذود عنه، سيما

أن كلهم أو جلهم يحتاج بعد تخرجه إلى المعونة وما يسد به رمقه في الحياة وإلى ما

يجعله كذلك عضوا نافعا في الهيئة الاجتماعية، فلابد أن يعطوا حظهم من الإنصاف

والرعاية.

وإذا طلبنا لهم حق التدريس بالأزهر، وهو ما كان حقهم حتى الزمن القريب

وحرمتهم منه القوانين الحديثة؛ فإنا لا نطلب لهم ما لا يستطيعون، فكثير منهم في

كل زمان كانوا من رجال العلم النابهين وأساطينه الأجلاء.

ولا يزال العلم والدين مدينين لأمثال عبد الله بن عباس وعبد الله بن أم مكتوم

وو، في العصور الغابرة، وإن كثيرا من مكفوفي العصر الحاضر في الأزهر

خاصة وفي مصر عامة لدليل جدي على أن الله عوض هذه الطائفة المسكينة من فقد

أبصارهم ذكاء حادا، وفكرا ثاقبا، وقلبا بصيرا، وليس من مصلحة العلم والدين

أن تقبر تلك المواهب، ويحرم الناس من الانتفاع بها بحجة أن أهلها غير مبصرين.

على أنه لا يزال إلى اليوم عدد كبير من علماء الأزهر المكفوفين يباشرون

التدريس بالأزهر، وليس من يعيب كفايتهم فيما يكلفون به من مختلف الفنون.

وإذا كان التدريس بالأزهر من الحقوق الضرورية للمكفوفين، فإنه يستلزم أن

لا يحرموا من دخول قسم التخصص بالأزهر، ومما يساعد ذلك أن المرسوم الملكي

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٦ · الصفحة ٥١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٦ · ص ٥١