تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

من عذيري

الشكوى من صاحب المنار وشكواه أو عذره

رب لائم مليم، ورب ملوم بريء أو غير مسيء

في يوم السبت 28 ذي القعدة (20 مارس) جاءني كتاب في البريد

بإمضاء (عبد الغفار) يقول فيه: إنه تاجر هندي في مدينة لندن، وإنه جاء

القاهرة لكي يقابلني ويقابل بعض الذين يعرفون شيئا عن السيد جمال الدين

الأفغاني لجمع ما لديهم من المعلومات عنه؛ لأنه يريد أن يكتب سيرة لهذا المجدد

الشهير، وأنه يحمل خطابا من حضرة صديقي فؤاد بك سليم حجازي الشهير، وأنه

يلتمس أن أعين له وقتا خاصا لذلك.

وبعد يوم أو يومين جاء دارنا رسول من قبله ولم أكن فيها؛ فترك لي كتاب

فؤاد بك سليم الذي يحمله من أوربة، وكتابا آخر من حضرة صديقي إسماعيل بك

شيرين وكيل محافظة مصر مؤرخا في 29 ذي القعدة (21 مارس) يقدمه فيه،

ويوصي بحسن قبوله، فعجبت من عنايته بطلب توصية بعد توصية فيما لا يحتاج

إلى توصية، ثم من إرساله لهما مع رسول يطلب له تعيين وقت معين للقائه وعدم

مجيئه هو، وحملت ذلك على حرصه على أوقاته وعلى وقتي أيضا؛ لأنه يعلم

عقلا أنني كثير العمل، ومن المعقول في هذه الحالة أن أعين له وقتا يمكنني أن

أفرغ فيه لحديثه مدة طويلة، واطلاعه على ما عندي من المواد وليست بقليلة، وأنا

لا أملك مثل هذا الوقت إلا في بعض أيام الجمع، وإذ كان أول جمعة لا يزال بعيدا،

رأيت أن أبلغه من أقرب الطرق - وهو طريق التليفون - أنني مستعد في كل

يوم بل في كل ساعة من ساعات كل يوم للقائه، وأنني على قلة خروجي من الدار

لا أخرج في وقت الصباح، وأنه لأجل الاحتياط يمكنه أن يسأل عني بالتليفون قبل

مجيئه، بلغناه هذا في الفندق الذي نزل فيه، ولم يكن فيه عند التبليغ، فعهدنا

أصحاب الفندق بتبليغه إياه المرة بعد المرة، ولو حضر لأخبرته بما عندي من

المواد في ترجمة السيد وبعض مقالاته وآثاره، واتفقنا معا على الأوقات التي يطلع

فيها عليها، والطريقة التي يقتبس بها ما يريد اقتباسه منها - وهو لا يعرف العربية.

بيد أنه فاجأني عصر اليوم الثالث من ذي الحجة (24 يونيو) كتاب هذا

نصه:

كتاب وجيه هندي لصاحب المنار

24 يونيو سنة 1925

سيدي الأستاذ الجليل سلاما واحتراما. وبعد، فقد حملتني الرغبة الصادقة في

البحث عن كل ما يتعلق بحياة السيد جمال الدين الأفغاني - بمناسبة اعتزامي على

تأليف يشتمل على حياة هذا الفيلسوف الإسلامي الشهير - حملتني هذه الرغبة على

التقرب، ثم على التشرف بزيارتكم؛ لينالني تشرف الاستقاء عن علمكم الغزير،

فبادرت بإرسال جواب إلى فضيلتكم ساعة وصولي إلى القاهرة؛ لتتكرموا بتحديد

وقت أتمثل فيه بين أيديكم (!) ، فلما تأخر الرد كلفت صديقا لي ليتفق مع

فضيلتكم على الوقت الذي ترضون فيه بمقابلتي (!) ، ولما لم يجدكم في البيت؛

ترك هناك كتابي التعرف من حضرة صاحبي العزة فؤاد بك سليم وشيرين بك،

لعلكم تتنازلون بهذه الوسيلة بزيارتي، وقد مكثت في القاهرة أنتظر الرد سبعة

أيام [1] ، وما جنيت يا للأسف من هذا الاتفاق إلا الخيبة والملل.

سيدي - الآن وقد عزمت الرحيل، من هذه الديار أرى من واجبي أن ألفتكم

إلى بعض ما يجول بخاطري بمناسبة هذا الفتور الذي لقيته منكم في هذه الديار،

وقد كنت أنتظر غير ما رأيت.

على أن هذا الفتور لو كان مصدره رجل عادي غيركم وموجها إلى شخصي

من حيث إنني بشر لا أكثر ولا أقل لما أتعبت نفسي بالشكوى إليكم، ولما رجوتكم

قراءة هذه السطور، ولكن الرتبة العلمية التي تمثلونها، والصفة الإسلامية التي

جعلتموها شعارا لكم، والمسئوليات العظيمة التي تتحملونها بصفتكم من علماء

الدين وحامل لواء الشريعة - كل هذه الأمور تحتم علي أن أنبهكم إلى الخطر

العلمي والأخلاقي (!) الذي قد يجركم إليه مثل هذا الفتور، والإهمال غير اللائق

بمقامكم (!) .

شيء آخر يحملني على الإكثار من الشكوى إليكم، وقد اضطررت إلى ذكره

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٦ · الصفحة ١٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٦ · ص ١٢٤